عن عبدالله خليفة

كاتب وروائي من البحرين..

عن عبدالله خليفة

كاتب وروائي من البحرين..

كتب أخرى لـِ عبدالله خليفة


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية

الطبعة : 1
أضافه : عبـــــــدالله خلــــــــيفة
التصنيفات : دراسات و أبحاث

  الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الرابع ، تطور الفكر العربي الحديث ، وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة ، 2015 .

إسماعيل مظهر  

 

في مقالته ( أسلوب الفكر العلمي : نشوءه وتطوره في مصر خلال نصف قرن ) ، ( 19 ) يعرض الباحث إسماعيل مظهر وجهة نظره في النهضة العربية الإسلامية في المنطقة عامة ومصر خاصة ، وهو يوجه نقداً شديداً إلى المصلح المعروف جمال الدين الأفغاني فيقول :

( تعلم  السيد جمال الدين الأفغاني منتحياً الأساليب العملية العتيقة التي عكف عليها العربُ منذ القرون الوسطى ، فهو بذلك صورةٌ مصغرة أو مكبرة لعصر من العصور البائدة في تاريخ الفكر الإنساني . وهو بنزعته السياسية أشبه الأشياء في عصره بالحفريات التي تعيشُ بيننا بجثمانها وأن رجعت بتاريخها إلى أبعد العصور إيغالاً من أحشاء الزمن ) ، ( 20 ) .

وينتقل إسماعيل مظهر من النقد العنيف للأفغاني إلى النقد العنيف لكل ما أنتجه العربُ فهو في رأيه غير جدير بالحياة فيقول :

( ذاعت بينهم مذاهبٌ فلسفية نقلها المترجمون ) ، ( ولكنك لا تجد عندهم مدارس فلسفية يــُنسبُ إليهم ابتكارها . فليس لهم مدرسة تــُعزى إلى الفارابي أو ابن رشد أو ابن سينا مثلاً ) ، ( 21 ).

( هذه العقليةُ بذاتها هي التي ورثها السيد الأفغاني عن العرب . عقليةٌ وقفت عند حد الأسلوب الغيبي لم تتعده وتنكبت كل سبيل كان من الممكن أن يسلم بها إلى الأسلوب اليقيني . ) ، ( 22 ) .

يقيمُ إسماعيل مظهر تعميماً فكرياً كبيراً ، عبر جملٍ صغيرةٍ تختزلُ قروناً من التطور والإبداعات والمساهمات النقدية ، فكلُ ثقافةِ العرب والمسلمين خضعت لفكر معين يسميه الفكر الغيبي ، ولم تعرف ما يسميه كذلك ( الفكر اليقيني ) ، وكلا التسميتان ترجعان إلى مصطلحات أوربية مأخوذة من مدرسة معينة ، يقول إسماعيل مظهر :

( إذا كان ناموس جاذبية الثقل أعظم استكشاف وصل إليه العقلُ البشري في عالم الكون والفساد ، فإن قانون ( الدرجات الثلاث ) الذي كشف عنه الفيلسوف الكبير ( أوغست كونت ) لأكبر اكتشاف وصل إليه العقل البشري في الطبيعة الإنسانية . وإن متابعتنا لشرح هذا القانون لهي النواة التي تدورُ حولها أبحاثنا ) ، ( 23  ) .

يجعلُ إسماعيل مظهر بؤرةَ التطور النهضوي في ابتكارِ النظريات العلمية فهو يبتدئ التاريخ الأوربي بنظرية الجاذبية ، ثم بالوضعية الاجتماعية ، والمصطلحات التي يستخدمها هي مصطلحاتٌ مستعارةٌ من هذه المدرسة الأوربية الأخيرة التي قسمت التاريخَ الإنساني بشكلِ مراحل معرفية ، فهو يعتبر بأن هناك ( قانون ضروري يخضع له العقل ) ، ولهذا فإن كلَ مدركاتنا وفروع معرفتنا وتجاربنا التاريخية لا بد أن تمر بالمراحل الثلاث :

( الأولى اللاهوتية أو التصويرية التخيلية ، والثانية الميتافيزيقية الغيبية ، أو المجردة ، والثالثة اليقينية الإثباتية أو الواقعة ) ، ( 24 ) .

ويقومُ بتفسيرِ تعدد هذه المراحل بشكل يعود للعقل نفسه ، فيقول :

( .. أن العقل الإنساني فيه بطبيعته كفاءة لأن ينتحي ثلاثَ طرق مختلفة للتأمل من حقائق الأشياء وطبيعته في كل من تلك الطرق تختلف عن الأخرى تمام الاختلاف ، بل لا نبالغ إذا قلنا أنها تتضاد تمام التضاد ) ، ( أما الأسلوب الأول فخطوة ضرورية يبدأ بها العقل في سبيل تفهم الحقائق أو البحث عن مصادرها ، وأما الأسلوب الثالث فهو يمثل العقل في آخر حالات ارتكازه على الحقائق البارزة الملموسة . وليس الأسلوب الثاني إلا خطوة انتقالية تتوسط بين الأسلوبين ) ، ( 25 ) .

يقومُ إسماعيل مظهر عبر هذا المنهجِ بإدخالِ العرب والمسلمين في المرحلة الثانية من منهجه طبقاً للمخطط التاريخي المعرفي الذي قال به أوجست كونت ، وهو مخطط لأنه يشمل الإنسانية جمعاء ، فيضع لها مراحلَ معينةً ، كذلك فإنه مخططٌ معرفي لكونه يتعلقُ ب [ العقل ] ، وبطرقِ التفكير التي سادت حسب قوله هذه المراحل ، ووسمت كلَ مرحلةٍ بطابعٍ خاص من التفكير الذي يختلف عن سابقه .

إن العقلَ هنا منفصلٌ عن بنائه الاجتماعي الذي تكون فيه ، بل أن العقلَ هو الذي يشكلُ المرحلةَ والتاريخ والبناء الاجتماعي .

إن العقل المجرد تتشكلُ فيه قوى ونزعاتٌ تحددُ هذا التطور وكأن العقلَ يتطور من داخله ، كقوةٍ غيبية مفارقة ، فهو يبدأ مرحلةً ولكننا لا نعرف كيف ولماذا يتحول عنها وينتقل إلى المرحلة الأعلى منها .

إن العقل في الدرجة اللاهوتية ( يبحثُ في طبيعةِ الأشياء وحقائقها ، وفي الأسباب الأولى والعلل الكاملة ، يبحثُ في الأصل والماهية والقصد من كل الأشياء التي تقع تحت الحس . وعلى الجملة يبحثُ في ( المعرفة المطلقة ) وهناك يفرض أو يسلم بأن كل الظواهر الطبيعية ترجع إلى الفعل المباشر الصادر عن كائنات تختفي وراء الطبيعة المرئية ) ، ( 26 ) .

يقومُ هنا بتجريدِ الأفكارِ السحرية البدائية المتعددة عند ظهور الإنسانية الأول ويصفها بأنها [ عقل ] يبحث في [ الأسباب والعلل الكاملة ] في حين إن الوعي البدائي السحري كان يسقطُ مشاعره وانفعالاته على الطبيعة ، فتصبح الظاهرات الطبيعية حيةً تعكس ذاته ، ولهذا فإنه لا يبحث عن العلل الكاملة أو يبحث في طبيعة الأشياء ، وهذه المرحلة الأرواحية تتمظهرُ بعدئذٍ في الأرواح الخيرة والأرواح الشريرة ، وتتحول بعدها إلى كائنات [ تختفي وراء الطبيعة المرئية ] حقاً وكما يقول .

وإسماعيل مظهر هنا لا يبحثُ هذه الظاهرات الفكرية بشكلٍ متكامل مع البُنى الاجتماعية البدائية التي ينشأُ فيها هذا الوعي ، ومن هنا يقومُ بعملياتِ سلقٍ للتطورات الفكرية ، ولا يقرأ عمليات توزعها الجغرافي ، أو تناقضاتها الداخلية ، أو حتى تداخلاتها مع المرحليةِ الدينية على تنوعاتِ هذه الأخيرة ، وصلة ذلك كله بالتطورات الاقتصادية والاجتماعية ، ففي حين تبقى مناطق جغرافية كأفريقيا مستمرةً في المرحلة الأرواحية لضعف تطور قوى الإنتاج ، تتوجه مناطقٌ أخرى إلى مستوى أرقى بسببِ تطورات البنى الاجتماعية - الاقتصادية .

فالعقلُ هذه المفردةُ الفكريةُ ليست مُشكَّلةً بمثل هذا التجريدِ الغيبي ، فهي تعبرُ عن مجملِ العملياتِ الفكريةِ – الفنية التي تجري لجمهور معين لزمن معين ، فإذا كانت تعبرُ عن العملياتِ الفكريةِ الباحثة عن سببياتِ الظاهرات الطبيعية والاجتماعية ، فإن السببيات هنا مُـغلفةٌ بعمليات الإسقاطات الطفولية لهذا الوعي على الأشياء وعلى العمليات الفكرية ، فالآلهة مثلاً تتجسدُ كقبيلةٍ سماوية ، تحكمُ الوجودَ وبإمكانيات خارقة ، وهي بهذا تعبرُ عن عجز القبيلة الأرضية  وطلبها للمساعدة من هذه القوى الماروائية .

لكن ذلك لا يزول إلا بتطور القبيلة الأرضية واستقرارها الزراعي والمدني الخ . . فعملياتُ الاستقرار والصراع الاجتماعي والسياسي تعيدُ تشكيلَ هذه المادةِ الفكرية السحريةِ باتجاهاتٍ يبلورها ذلك التطور المعقد في التمدن وعبر التأثيرات الأجنبية والصراعات السياسية والحربية والتجارة الخ ..

فالعقلُ ليس هو العصا التي تسوق الماشية البشرية نحو المراعي الخضراء ، بل هو عملياتٌ فكريةٌ مركبة معقدة ، يتداخلُ فيها اللاعقلُ والعقل ، أي المراحل السحرية والمراحل التالية الدينية والعلمية والموضوعية ، فكلمة العقل ليست سوى تجريد يمثل عمليات اكتشاف الوجود الموضوعية . .

ومن هنا فإن إسماعيل مظهر يقومُ بإحضارِ لوحةٍ تقنيةٍ أوربية ، ويقومُ بتركيبها على الجسمِ العربي الإسلامي المسيحي المدد فوق طاولة التشريح ، فهو يرى بأن هذا الجسم قد عبر المرحلة اللاهوتية السحرية ولكنه لا يزال في المرحلة الميتافيزيقية الغيبية ، ولكنه بعد لم ينتقل إلى المرحلة الثالثة اليقينية فإذن لا بد من قطع هذا الجزء من الجسم وإدخاله إلى المرحلة الثالثة .

وإذا كان هذا صحيحاً فليس ثمة دراسة لهذا الجسم ، أي لا توجد قراءة للمرحلتين السابقتين وكيف تجسدتا وتداخلتا وأسباب تشكلهما وبقائهما الخ ..

فهو ينطلق من تكامل ونظافة المرحلة الثالثة التي تشكلت أوربياً لكي يضع شعاراتها فوق الجسد العربي – الإسلامي – المسيحي ، القديم والحديث ، دون أن يقومَ بقراءة عبر هذه الشعارات نفسها لذلك الجسد بأن يبين متى وكيف بدأت المرحلة السحرية ومتى وكيف بدأت المرحلة الدينية ، أي أن يدرسَ الحضارات القديمة في المنطقة ثم الوسيطة ، وبالتالي يصلُ إلى الأسباب التي أعاقت هذه المرحلة الدينية الأخيرة من الانتقال إلى المرحلة  [ اليقينية ] ، أي إلى المرحلة الرأسمالية المعاصرة لزمنه .

إن مصطلح [ اليقينية ] سيُعرف عند تيارات أخرى لاحقة بأسماء أخرى تقلل من طابعه الغيبي الميتافيزيقي ليغدو أقرب إلى الرؤية التقنية المستعارة من الثقافة الغربية ، فيصيرُ التحليلُ اللغوي التجريبي ، أو البنيوية ، وغير ذلك من تسميات ، تنقلُ آخر منجزات التقنية الفكرية الغربية ، وتضعها في أدوات بحثها .

وإذا كان إسماعيل مظهر يمر بسرعة شديدة على خمسة قرون من التحولات النهضوية العربية بتضاداتها المختلفة ، فإنه يقف وقوفاً مماثلاً عند نهضة مصر الحديثة ، دامغاً إياها بالعقم .

فهو يصف ثورة 1919 المصرية بأنها [ لم تمس من الحياة الكامنة في الأمة شيئاً ] وهو يقصد هنا إزالة طابع الوعي الديني المهيمن ، فهو يقارنها بالثورة الفرنسية الكبرى التي قامت على جهود الموسوعيين والفلاسفة الاجتماعيين ( بل على مجهود سلسلة من العظماء ، تعهدوا الفكر الكامن في طبقات الأمة المنتقاة منذ عهد ديكارت بتلك الفكرات الثابتة التي يذهب أثرها إلى أبعد غور من أغوار الحياة الخفية في نفس الأفراد والجماعات ) ، ( 27 ) .

تغدو المقارنة بين مصر المحتلة من قبل السيطرة الإقطاعية التركية التي كرست البناء التقليدي المتخلف لعدة قرون ، ثم لم تفلح إقطاعية أسرة محمد علي في تغييرها بشكل كبير ، ثم جاء الاحتلالُ البريطاني وكرس البناء الإقطاعي وجعله تابعاً ، وبين فرنسا المنسلخة عبر عدة قرون من السيطرة الإقطاعية والتي شكلت رأسمالية صناعية متجذرة في أرضها ، تصبح هذه المقارنة لا تاريخية ، ومطالبة مظهر بأن يعيدَ المثقفون المصريون التاريخ النهضوي الفرنسي بشروط وضعهم الخاص ، أمراً غير ممكنٍ ، وبهذا فهو يفصل مراحل أوغست كونت التي تشكلت في تلك البيئة الفرنسية المتطورة عقلياً ، عن تاريخها الخاص فهي تتويجٌ فكري بحثي لنهضوية فرنسا وأوربا في تحليل التاريخ الفكري السحري والديني السابق لتجاوزه ، ونقل مثل هذه الأداة البحثية إلى وسطٍ آخر متخلف ، لم تكن له الشروط الاجتماعية والمعرفية من معامل وجامعات ونخب ثقافية واسعة وجمهور كبير متعلم ، هو زراعة لنبتة في شروط مغايرة .

ولهذا لا يقومُ مظهر بعقدِ مقارناتٍ تحليليةٍ بين فرنسا منتجة المراحل الثلاث ، وبين مصر التي استضافت جمال الدين الأفغاني . بين فرنسا التي تشكلُ العلمانيةَ وتضع أسساً لثورة تقنية واسعة ، وبين مصر الغارقة في الإنتاج الزراعي وهيمنة الإقطاع وحيث يلعبُ الدينُ أداةَ الوعي الأساسية ، لهذا تغدو التقنية المستعارة من فرنسا لديه ، غير قادرةٍ على تحليل البناء الديني – السحري المصري الإسلامي المسيحي ، حيث هي منتزعةٌ من بناها الاجتماعية ، ثم هي تطبقُ بشعارية إلغائية بدلَ أن تغوصَ في تحليلِ البناءِ الخاص لديها ، لترى مستوياته المختلفة .

هذه العمليةُ الإيديولوجية الشعارية الرافضة لبناءٍ قديم لا تقوي وجودَ هذه الأداةَ المعرفيةَ المنقولة من وسطٍ إلى وسط آخر ، ومن مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية مختلفة ، بل هي تضعفها ، عبر فقدان التحامها بأرضيةِ التحليل ومواده .

ولهذا فإن مثلَ هذه الصرخات التقنية التحديثية لا تقود سوى إلى صرخات واسعة من الجانب المضاد ، من البناء الغيبي الثقافي السائد الذي يُهاجَّم بكليته ، فيتمُ استبعادَ هذه التقنيةِ المفيدة في بعض جوانبها من دائرة الوعي الواسعة بوصفها منتجات تقنية هادمة ل [ إرث الأمة المقدس ] .

وهكذا فإن أمين الخولي يقوم بالرد على إسماعيل مظهر بأسلوب مضاد فيقول :

( إن هذا الإسلام شيءٌ آخر غير ما تسمعونه عن الأوربيين من أمر اللاهوت . إن لديهم كنيسة وسلطة ورجالاً يربطون ويحلون ، قد وقفوا في سبيل العقل .. الخ .. ) ، ( 28 ) .


  • الزوار (120)
  • المراجعات (1)
ترتيب بواسطة :

العناصر الفكرية في الشيوعية العربية تمهيــد تقوم الأفكار الماركسية اللينينية على التجميع المركب بين فلسفتين متضادتين . إن الماركسية فلسفة ديمقراطية على المستوى الفلسفي وعلى المستوى الاجتماعي ، فماركس قام بدراسة قوانين البنية الاجتماعية الرأسمالية وتوصل عبر بحوث مطولة إلى نتائج أوربية هامة ، وحين جسد نتائج هذه الدراسة في العمل السياسي أشار إلى ضرورة العمل النضالي من داخل قوانين هذه البنية واعتبر الاشتراكية تتويجاً لذروة التطور النقني والعلمي والأخلاقي والكفاحي داخل هذه المنظومة . فيما بعد قام شموليو رأسمالية الدولة في روسيا ، القوميون الروسيون ، كما سيظهرون في المجرى التاريخي لنمو رأسمالية الدولة الشمولية الروسية ، بالجمع بين هذه الماركسية الأوربية مع استبداد الدولة المركزية ، وإنتاج خليط نظري متناقض اسمه ( الماركسية – اللينينية ) . هناك جانب علمي في الماركسية الأولى هو اكتشاف القوانين والذي عرف باسم المادية الجدلية ، وكذلك فإن المادية التاريخية كانت علماً وهي تقرأ التجربة الأوربية الغربية ، بضخامة المواد والمعلومات التي استندت إليها كما هو واضح من كتاب رأس المال . إن هذه المادية التاريخية هي علم بتوصلها إلى اكتشاف قوانين التشكيلات التاريخية ، لكن هذه القوانين لم تكن مطبقة على تاريخ الشرق بخصوصيته ، ومن هنا كان نقل التاريخ الأوربي إلى الدول الشرقية ، بتباين مستواها لم يكن سوى نقل ميكانيكي وسياسي غائي للمادية التاريخية . إن القوانين الأعم للمادية التاريخية المتعلقة بالتشكيلات : المشاعية ، والعبودية، والإقطاع ، والرأسمالية ، والاشتراكية ، لم تؤخذ عند مثقفي الأمم غير الأوربية خاصةً كبديهية مُلزمة ، وتم رفضها لدى العديد من الباحثين. أي أن نمو الأمم تاريخياً لم يتم التأكد العلمي الكامل منه ، وهو يخضع للبحوث المستمرة . ومن هنا فإن هذه التشكيلات رُئيت من خلال التجربة الأوربية الغربية ، التي توفرت لديها أدوات وقوى البحث الكبرى والديمقراطية الثقافية التي أمكن خلالها الوصول إلى قراءات موضوعية لا يكرسها جهازُ سلطةٍ مستبد . أي أن الماركسية كنظرية أوربية غربية تشكلت على أرض بحثية ديمقراطية ، أما اللينينية فأمرُها يختلف ، ومع هذا فإن الماركسية يتجلى جانب القصور فيها في طرحها نفسها كنظرية عالمية ، بدون أن تــُرفد بتجارب الأمم غير الأوربية ، وبهذا فإن السيادة الأوربية – الأمريكية على العالم يمكن أن تغدو الماركسية جزءً منها ، وبهذا يصبح اختزال تجارب ومستويات الشعوب غير الأوربية ممكناً ، بفضل هذا التفوق . إن جرَ الماركسية من إطارها القاري إلى التداول العالمي ، سيعضدهُ ولا شك غيابُ الجامعات العلمية التي تدرسُ الماركسيةَ وتفحصها وتنقدها ، في العالم الثالث ، بحكم اعتبار الماركسية لدى هؤلاء نظرية انقلابية مدمرة مع ارتباطها بالدولة الروسية فيما بعد ، وكذلك لتطورات الماركسيات وتناسخاتها في العالم الثالث التي اتحدت مع الأبنية الشمولية . إن جذر القضية يقع في أزمة روسيا ودول العالم الثالث في الانتقال السلس إلى الرأسمالية ، ومن هنا لعبت ( اللينينية ) باعتبارها الحلقة الأولى في نشر وأدلجة الماركسية على المدى العالمي . وكان الجمع بين النظرة الماركسية كنتاج أوربي ديمقراطي شعبي ، وبين الفكر المعارض الروسي ، قد كرسته ثقافة روسيا المتخلفة ، فعبر هذا المحيط الشمولي تم تداول الماركسية وتصوير خيانة أوربا الغربية لها ، وأمانة روسيا في احتضانها . فروسيا المتخلفة التي تملك بحراً من الفلاحين هي الجديرة بتطبيق النظرية العمالية الحديثة ، في حين أن أوربا التي تملك ذلك البحر العمالي والعلوم لم ترتفع إلى مستوى تطبيق الماركسية وإنجاز الاشتراكية . وفي سبيل هذا الزعم ابتكر العقل الشمولي الحكومي الروسي مجموعة من الخرافات ( العلمية ) لتبرير هذه القفزة غير العقلانية ولحرق المراحل وقيادة العالم الثالث في هذا السبيل الصعب المكلف . كان من أولى الخرافات ( العلمية ) التي ابتكرها العقل الشمولي الروسي هي [ نظرية الحلقة الأضعف في مسار التطور الرأسمالي ] . فقد قام هنا بتعميم المسار الروسي باعتباره مساراً رأسمالياً ، في حين أن هذا الوعي الروسي نفسه يضع روسيا في خانة الدول الإقطاعية ، وبين المسارين تضيع روسيا . فأوربا الغربية حين انتقلت إلى الرأسمالية من الإقطاع احتاجت إلى عشرة قرون ، فبدءً من تفكك الإقطاع وانكسار سطوة البابوية وظهور البروتستانتية ، ثم مجيء عصر النهضة ، ثم عصر الكشوفات الجغرافية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ثم عصر الثورة الصناعية في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، فعصر الثورات الرأسمالية والاستعمار في القرنين التاسع عشر والعشرين الخ . . أما روسيا فكانت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر متحجرة عند الإقطاعو العبودية وأخذت في القرن العشرين تتململ اجتماعياً لما يمكن أن يُسمى عصر نهضة روسي ، وبهذا فإن ثمة بوناً شاسعاً بين إمكانيات أوربا الغربية وروسيا ، وإذا أمكن لأوربا أن تنتجَ الماركسية ضمن نظريات علمية عدة ، أمكن لروسيا أن تحيل نظرية علمية كالماركسية إلى إيديولوجيا ، بمعنى أن تقوم أجهزةُ الدولة بتبني هذه النظرية العلمية وأن تخنقها . فكان على روسيا لتستوعب الماركسية أو أية نظرة علمية أخرى أن تتشرب بيئتها الاجتماعية والثقافية الكثير من النظريات والآراء التي تحفرُ في البناء الاجتماعي وتخرجه من التكلس الأبوي والنظام الإقطاعي والأمية الخ . . بمعنى إن النظريات العلمية في أوربا الغربية هي تتويجٌ طويلٌ لعصر نهضة أبعد النظرات الدينية الشمولية وحفر تعددية دينية ديمقراطية ، وهو أمر على سبيل المثال لم يتحقق حتى اليوم في روسيا ، وتتكرس المسيحية الأرثوذكسية كفكر مسيحي مُغلق ، تتماهى فيه الألوهية وتقديس التماثيل والصور وحكم الكنيسة الهائل . وهو ما تحقق في الماركسية – اللينينية على مستوى تحويل الزعماء إلى أيقونات وأصنام للهيمنة على الشعب المقدس لهم. وعلى مستوى الديمقراطية فلم يجرب الشعب الروسي الانتخابات كشكل أولي من العملية الديمقراطية ، فهو من الشعوب المتخلفة المتكتلة وراء القيصر والكنيسة ، وكان يحتاج إلى زمن موضوعي لكي يخرج من حالةِ القطيع التاريخي . لم تقم هذه الرؤية السياسية النخبوية بالحفر في هذه الكتل الشعبية المتخلفة ، وهي الإشكالية الكبرى التي تواجهها نظم العالم الثالث كذلك ، وسيتم الإبقاء على أبويتها الاجتماعية وتدني مكانة المرأة فيها ، وسيطرة المؤسسات الفوقية وضعف وجود الفردية المبدعة الخ . . ، أي على كل الخصائص السلبية التي أنتجتها أنظمة ما قبل الرأسمالية ، الُمجسَّدة في روحية القطيع والجمود والحفظ النصوصي . لم يحدث هذا الحفر النهضوي والديمقراطي وتفجر الفردية وتفكك الكتل الأبوية الإقطاعية ، وانغمار البلد بتعددية فكرية وفلسفية واشتراك الجمهور في هذه الاتجاهات والانقلابات الفكرية العميقة ، ولهذا فإن المؤسسات السياسية القيصرية القديمة أُستبدلت بسهولة بمؤسسات جديدة ، فحدث تغير في الشكل ولم يتغير المضمون . إن المؤسسات السوفيتية لم تحدث فيها الانتخابات الديمقراطية إلا في توصيل مندوبي الأحزاب ، وسرعان ما رُفضت التعددية الحزبية ، وهيمن طاقمٌ بيروقراطي واحد ، فتم دفن المؤسسة البرلمانية الشعبية والصحافة الحزبية ثم الحرة الخ .. أي أن البنيةَ المتحولةَ من الإقطاع إلى الرأسمالية شهدت سيطرة المؤسسات الحكومية مجدداً ، فأبقت الكتلَ الجماهيريةَ بدون الدخول في عصور النهضة والتنوير والإصلاح الديني والتغيير الديمقراطي الواسع ، وبالتالي تم الحفاظ على الطابع ( الآسيوي ) للجمهور، ولم يتأورب ، أي لم يتحدث ، ولم يُعط الفرصة ليعرف التنوع والحداثة في الأسرة وتنوع الأفكار وفعالية المؤسسات الشعبية الخ .. اللينينيــة ليس بالضرورة أن تكون الآراء عن النفس صحيحة ومطابقة للواقع الموضوعي ، فالواقع كما قال لينين أكثر تعقيداً وتركيباً ، وهذا ما ينطبق على كل قائد كبير ، وعلى كل مسيرة سياسية كبيرة ، فغالباً ما ينخدع الناس بالظاهر والمرئي ، في حين يكون للتاريخ كلمته الفصل . لكن كيف تحول لينين من قائد للثورة الاشتراكية العظمى التي وعدت بإزالة الطبقات وإذابة الدولة بأن يصير في خاتمة المطاف مؤسساً لنظام انبثقت عنه رأسمالية المافيا البشعة ؟ ! علينا أن نقرأ بشكل موضوعي مسارات التاريخ المركبة والمعقدة التي قِبل لينين بها نظرياً ورفضها عملياً . لقد انضم لينين مبكراً إلى الحركة الاشتراكية – الديمقراطية ورفض طريقة الشعبيين الفوضويين في العمل السياسي الإرهابي ، وهم الذين اعتبروا الاغتيالات وسيلة أساسية لعملهم السياسي ، وراهنوا على طبقة الفلاحين كطبقة قائدة للتحول السياسي الديمقراطي في روسيا ، حيث أن هذه الطبقة كانت هي الغالبية من السكان المنتجين، وهم قد انبثقوا منها ، وهي طبقةٌ مفتتة إنتاجياً ، تخضع لأسلوب إنتاجي عتيق ومتخلف ، وتتراكب فوقها ظلماتُ القرون الوسطى من أمية وخرافة وفقر الخ . . فلم يكن لهذه الطبقة عبر التاريخ من نضال منظم ، إلا عبر الثورات الفجائية ، لكن العمل السياسي في القرن التاسع عشر الأوربي بدأ يخرج إلى تنظيمات جديدة . وقد أحست معظمُ الإمبراطوريات الشرقية الإقطاعية كالإمبراطورية العثمانية والروسية والصينية بضرورة الإصلاح ، وهي كلمةٌ تعني الحفاظ على أسس النظام القديم وتطعيمه بعناصر جديدة لا تلغي السابق ، ولهذا قامت الإمبراطوريةُ الروسية بمجموعة إصلاحات منذ الستينيات من القرن التاسع لتجاوز ظاهرات العبودية والتخفيف على الفلاحين الأقنان ، وإتاحة الفرص للنبلاء لكي يتحولوا إلى رأسماليين أو نبلاء حديثين كما فعلت ألمانيا ، وكانت التجربة الألمانية رهن التداول في الإمبراطوريتين التركية والروسية ، إلا أن مستوى تطور الرأسمالية في كلا الإمبراطوريتين لم يكن يسمحُ بهذه النقلة التحديثية وهذا يعود للتركيبةِ السكانية الشعبية المتخلفة ، فكان الريفُ بنمطهِ العائلي واعتماده الكلي على الزراعة المتخلفة لا يسمح بمثل هذه القفزة . وهكذا كانت روسيا أمام مهمات التطور الديمقراطي كأفق راهن مهم ، وقد أكد الحزب الاشتراكي – الديمقراطي الروسي هذا المسار ، لكن مسألة ( الاشتراكية ) هذه خضعت للتطور السياسي في أوربا الغربية ، باعتبارها قارة القيادة في الصناعة والعلوم والتجربة السياسية . لقد اعتبرت الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية الغربية مسألة الاشتراكية مسألة تطور تاريخي طويل ، باعتبار أن أسلوبَ الإنتاج الرأسمالي لا يمكن تجاوزه في أوربا بمستوى التطور الاقتصادي الراهن وقتذاك ، وأن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة هي التي سوف توصل ممثلي الطبقات العاملة إلى الحكم من خلال الأدوات البرلمانية ، حيث سيقومون بإصلاحات ديمقراطية ويخضعون لأصوات الناخبين . لم يكن قادة الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية سوى مثقفين غالباً ، أي لم يكونوا عمالاً ، وكانوا من الفئات الوسطى التي تتأثر باتجاهات الطبقات السفلى والعليا ، ورسوخ رؤاها من أجل تطور الطبقات العاملة ومصالحها التاريخية مسألة تتعلقُ بمستوى هذه القيادات وأفكارها والتزامها بتلك المصالح ومدى ثقافة القوى الشعبية التي تــُصعّد تلك القيادات . فالقوى العمالية ذاتها تتأثر بمختلف تيارات الفكر والسياسة ، ويمكن أن تتغلغل بينها الانتهازية لمصالح قوى أخرى ، وهذا ممكنٌ بسبب دور الاستعمار في جلب ثروات الأمم المستعمرة ورشوة هذه القوى المختلفة ، كما أظهر لينين في تشريحهِ لهذه الظواهر . لقد كان لينين يعملُ في خضمِ الحركة الاشتراكية – الديمقراطية الروسية والأوربية عامة ، وقد استقرت هذه الحركة عموماً على فهم معنى الاشتراكية باعتبارها في العصر الراهن هي إصلاحات مختلفة في ظل النظام الرأسمالي الغربي لمصلحة تطور الطبقات العاملة ، حتى تغدو لها المشاركة السياسية الواسعة في النظام لتقوم بإصلاحات جذرية فيه . لكن الأمر لا يصل إلى الثورة والاستيلاء على الحكم بالقوة والتأميم الشامل وضرب الملكية الخاصة الخ .. وقد استقرت الحالةُ السياسية في الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية الأوربية ، وبما فيها الحزب الاشتراكي – الديمقراطي الروسي ، على هذا الفهم العام للتغيير ، والكلمة الشعارية المكونة من الاصطلاحين ( الاشتراكي والديمقراطي ) معاً ، كانت تشير إلى أن الاشتراكية ديمقراطية وهي تـُخلق من خلال أدوات البرلمان والانتخابات ، أي هي سياسة اشتراكية ضمن النظام الرأسمالي السائد . إن هذا المصطلح المُركب كان يثير البلبلة ، والحوارات النظرية العميقة كذلك ، فالرأسمالية الغربية ذاتها كانت تنتقلُ من مرحلة إلى مرحلة ، وعمليات إفقار الجمهور وفي العالم الثالث خاصة وإثارة الحروب العالمية وهدر الإنتاج ، كانت تجتاح العالم وتستدعي النظر في هذا الشعار ، فظهر جناحان أساسيان ، جناحٌ يميني يؤكدُ على البقاء ضمن الشعار والاكتفاء بالإصلاحات ، وكان حين يصل للحكم يتمادى في خدمة رجال المال أكثر من خدمة الناس . أما الجناح اليساري فكان لا يستطيع في ذلك الوقت الوصول للحكم ، فيطرح شعاراته ويجندُ الناسَ ويقود المظاهرات الخ . . كان العالم في العشر سنوات الأولى من القرن العشرين يمر بأزمة عامة ، فالرأسماليات الكبرى لم تتوصل إلى طريقة في اقتسام غنائم الإمبراطورية العثمانية وبقية المستعمرات وتريد ألمانياً توزيعاً جديداً لهذه المستعمرات ، يراعي التطورات الاقتصادية في البلدان الرأسمالية الكبرى ، وهذا ما جعل الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية متأثرة بشكل كبير بصراع الدول . وعلى درجات هذه الدول الرأسمالية الكبرى ومدى نجاحها الداخلي في استقطاب الطبقات العاملة ونقابييها ، كان يجري استقرار النظام السياسي، ومن هنا كانت إنجلترا في حالة مختلفة عن ألمانيا المضطربة المتحولة تواً إلى الرأسمالية ، في حين كانت روسيا تعاني أزمة كبرى في عملية الانتقال إلى الرأسمالية . كان لينين يعترف وليس مثل زعماء الحركة الشيوعية فيما بعد ، بالتشكيلات الخمس لتطور البشرية وهي : المشاعية البدائية ، والعبودية ، والإقطاع ، والرأسمالية ، وأخيراً الاشتراكية . ولهذا كان يحلل روسيا كمجتمع إقطاعي في طور الانتقال إلى الرأسمالية، وإن هذا الانتقال يحتاج إلى ثورة اجتماعية ديمقراطية تقوم بتغيير الأساس السياسي والاقتصادي للمجتمع . لكن هذه الآراء للتحول خضعت لنمو الدكتاتورية السياسية داخل الحركة الاشتراكية – الديمقراطية . كان لينين يصرُ على وجود حزب ( حديدي ) ، مركزي ، تخضع فيه الأقلية للأكثرية ، والقواعد للقيادات ، ويحطم التكتلات الفكرية السياسية داخله . كان هذا النمط من الحزب الدكتاتوري ليس فقط مقنعاً للنخبة في مواجهة نظام تعسفي ، بل كان كذلك يتحولُ هو نفسه إلى بناءٍ دكتاتوري مماثل لقمعية النظام . لكن الأكثر تأثيراً هو قيام الحزب الدكتاتوري بضم القوى والجماعات الُمجيشة والمنضبطة بشكل عسكري والتي سترفدُ ببشر عاميين مؤدلجين وخاضعين للزعماء . وفي مثل هذا الحزب ستكون البذرة الأولى للدكتاتورية القادمة ، التي سيظهر منها ستالين ، وسيؤكد ستالين دائماً على رفد الحزب الذي دخل فيه مثقفون لامعون ومفكرون كبار ، بالعامة ( البروليتارية ) أي بأنصاف المتعلمين والمتحمسين لكي يتم القضاء على الفكر النير في الحزب . وهكذا فإن لينين قام بمواجهة الكتل التي سُميت ( انشقاقية ) و ( انتهازية ) ورفض اطروحات التحول الديمقراطي البعيد المدى ، عبر أحزاب ذات تعددية داخلية وفكر حر ، فحدث الانشقاق في الحركة بين من يسمون ب ( البلاشفة ) و ( المناشفة ) . مع نمو الدكتاتورية داخل الحركة الاشتراكية – الديمقراطية الروسية أخذ هذا الشعار المزدوج بالانشراخ ، بين الشموليين الاشتراكيين والديمقراطيين الاشتراكيين ، وقد قوت مواقفُ الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية اليمينية وتفريطهم بحقوق العمال والشعوب ، من مواقف الاتجاهات الشمولية ، وقد قوى ذلك من توجه لينين لخرق موضوعة التشكيلات الخمس للبشرية ، فقد كانت أزمة الحرب العالمية الأولى ، وأزمة التحول في روسيا، ونمو الحزب البلشفي الذي يقوده، تحول الأزمة في روسيا إلى مناخ ثوري مفتوح . إن خرق لينين لهذه الموضوعة وخروجه عن الماركسية تم تحت غطاء الماركسية ، ولهذه مواد سياسية وفكرية كثيرة ، ملخصها إنه خلط بين مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ، وبين عملية الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية ، فلم تكن روسيا مجتمعاً رأسمالياً لكي يجري الانتقال فيه إلى الاشتراكية ، بل كان مجتمعاً إقطاعياً يحتاج إلى تطور رأسمالي كبير ، كأمرٍ موضوعي بغض النظر عن رغبات السياسيين ، ولكن لينين وجد أن الماركسية ( الموضوعية ) أصبحت تعرقل مشروعاته السياسية التحولية السريعة . وهكذا أخذَ يفسرُ تفسيرات مختلفة النصوص المعروفة ، فبعد خرق موضوعة التشكيلات الخمس ، وطرح إمكانية الانتقال من الإقطاع مباشرة إلى الاشتراكية ، سيّح عبارات لماركس عن كومونة باريس التي تقول بضرورة وجود [دكتاتورية للبروليتياريا ] أي بضرورة تنفيذ قوانين المجتمع بالقوة ضد المتمردين عليه ، ولكن ماركس يقصد هذه الإجراءات [ الاستثنائية ] التي تقومُ في مجتمعٍ رأسمالي متطور عبر مؤسساته الشرعية والتي أصبحت الطبقات العاملة أغلبية فيها ، في حين كان لينين يضعها في خانة القفز من المجتمع الإقطاعي المتخلف إلى الاشتراكية وبدون تطور رأسمالي وبدون مؤسسات شرعية منبثقة من إرادة الملايين ! وثمة فرقٌ كبير بين إجراءات استثنائية مؤقتة تــُتخذ في ظلِ برلمانات منتخبة وبين إقامة دولة ذات مؤسسات استبدادية تتحكمُ في الطبقات المختلفة ، وبطبيعة الحال لن تكون هذه دكتاتورية العمال في دولة ديمقراطية بل دكتاتورية الأجهزة البيروقراطية العسكرية التي ستقع السلطة في قبضتها ! وهذه الفئات البيروقراطية – السياسية – العسكرية هي جنين الطبقات البرجوازية الحكومية التي ستنقض على السلطة السوفيتية بعد أن وصلت هذه السلطة إلى العجز عن أن تكون مع العمال أو مع البرجوازية . ولكن الفرق بينها وبين الطبقات البرجوازية الحاكمة في الغرب بأن الأخيرة شكلت نظامها عبر الديمقراطية ، فأمكن للعاملين أن يتقدموا فكرياً ونقابياً ، في حين رأسمالية الدولة الروسية حولت العاملين إلى جمهور مدمن ومنهار نفسياً ومُدمر اقتصادياً وكاره للسياسة ولرموز الثورة ( الاشتراكية ) ، إن لم نقل أنه تابع للمافيا ! لقد أصبحت البنيةُ الروسيةُ الاستبدادية تجرُ لينين إلى هياكلها ، وقد حدث ذلك عبر بنية الحزب الشمولية ، وبنية الوعي الشمولي ، وبالتالي فإن الأفكار الاشتراكية – الديمقراطية أخذت تــُجّير لتحولات دكتاتورية عبر مؤسسات الدولة الفوقية وعبر نقض قوانين التطور الاقتصادي الموضوعية ومن خلال الإرادة السياسية النخبوية، التي أعطاها زخمُ الجماهيرِ الشعبية المتحمسة إمكانيةَ التحليق الخيالي بأنها تستطيع أن تقوم بالقفز فوق التشكيلات التاريخية . ولهذا يمكن رؤية الجماهير الغفيرة التي كانت تشارك في أحداث التحولات في العشرينيات ثم تنسحب تدريجياً حتى صارت في النهاية هي التي تنقض على مؤسسات الدولة السابقة . علينا هنا أن نرى أن ثمة تغيرات إيجابية كبرى فيما سُمي ب ( ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى ) ، ونستطيع أن نسميها ثورة روسيا البرجوازية الحكومية التي جمعت العمال والبرجوازية تحت قبضتها الإدارية . إن تلك التغيرات كانت تحول روسيا فعلاً إلى دولة رأسمالية حديثة ، كالإصلاح الزراعي الواسع ، وهو الإصلاح الذي رفضه البلاشفة حين كانوا في المعارضة ، وتبنوا برنامج حزب الفلاحين الشعبيين ، وهو إصلاح ديمقراطي اجتماعي ، ضخم ، جعل حزب البلاشفة ذا جماهيرية كبيرة ، فالتف الناس حول النظام الاجتماعي الذي قدم لهم الأراضي ، وواجهوا جيوش التدخل الأجنبية والقوى الاجتماعية التي أيدتهم . وهنا لم يتواجد حزب روسي مؤيد للتحولات الاجتماعية الديمقراطية هذه ، وكذلك بأن يعمل لمواجهة دكتاتورية البلاشفة السياسية كذلك . كذلك فإن إجراءات التصنيع والكهربة ومشروعات التقدم الاجتماعي والثقافي الواسعة كلها تحسب للنظام ، لكن كلها تمت عبر أدوات العنف والشمولية الإدارية ، فأخذت أجهزةُ الدولة القيصرية تتبدل بشكل بلشفي ، وراحت الأجهزة العسكرية والبوليسية تتسع ، وتقلصت الديمقراطية داخل الحزب البلشفي نفسه ، فحيث كان يقرر الأمور اللجنة المركزية اقتصر الأمر بعد ذلك على المكتب السياسي، ثم على الزعيم الأوحد ، الذي ظهر بشكل لينين ثم ستالين . ثم تعرض ( الماركسيون ) داخل الحزب للقمع والقتل . لقد تحولت الدولة إلى المالك الأكبر لوسائل الإنتاج ، وهكذا فقد فهم لينين أن تملك الدولة لوسائل الإنتاج هو النظام الاشتراكي ، فعبر المصادرة ينشأ النظام الحكومي للملكية فتظهر الاشتراكية . لكن الرأسمالية ليست هي الأموال فهي بناء اجتماعي واقتصادي وثقافي عميق ، فنشوء المصانع والتقنية ليس هو مسألة مالية وإدارية ، بل مسألة بناء اجتماعي قائم على التطور الموضوعي الداخلي عبر قوانين موجودة في كتاب ( رأس المال ) . ( 1 ) الذي قرأه لينين ولخصه ولكن لم يفهم مقولات الرأسمال كمقولات تاريخية وليس كمقولات تقنية أو سياسية . وهكذا فمع عدم وجود رأسمالية في روسيا كان ينبغي بناءها من أجل بناء الاشتراكية فيما بعد ! أي ترتب على أفكار لينين أن يقوم هو ببناء الرأسمالية ، فصار من قائد للثورة الاشتراكية إلى قائد لبناء الرأسمالية الحكومية الشمولية . فبعد الكوارث التي ظهرت في روسيا بعد الحرب العالمية الأولى كان عليها أن تدخل حرب التدخل الأجنبية ثم الحرب الأهلية التي راح ضحيتها الملايين . ولكن ليس لتقيم الاشتراكية وتزيل الطبقات وتطفئ مؤسسة الدولة غير الضرورية بل لتتعلم كيف تطور رأس المال وتخرجه من جحوره التي اختبأ فيها ، وتحدث تراكماً رأسمالياً، فبدأ لينين ما سُمي بالسياسة الاقتصادية الجديدة ( النيب ) منذ 1920 ، لكن هذه العودة للرأسمالية لم تكن عودةً ديمقراطية ، أي أن لينين لم ير أن مشروعه ( الاشتراكي ) فاشل ، وأن عليه أن يعود للرأسمالية الديمقراطية فيسمح للأحزاب ولحرية الصحافة ويشكل دولةً ديمقراطية تقرر فيها الطبقات المختلفة تطوير البلد بالشكل المناسب ، بل واصل استخدام أدوات السلطة السياسية والعسكرية في الحكم ، لكنه أعطى للملكيات الصغيرة والمتوسطة في الزراعة والصناعة والحرف الحق أن تنمو ، بشكل لا تتحول إلى ملكيات كبرى وتتعاون مع قوى سياسية لتغيير النظام ، بل سمح لها بالتطور الاقتصادي الحر المفصول عن التطور السياسي . راح الحزب البلشفي يعمل لإيجاد الرأسمالية تحت غطاء الاشتراكية الحكومية ، ولا بد للرأسمالية من تراكم أولي ، يسمى التراكم البدائي ، حيث توفر الدولة رؤوس الأموال المنتزعة من الفلاحين من أجل الإنتاج الرأسمالي الموسع ، من هنا عمل خليفة لينين ستالين على تجريد الفلاحين الأغنياء والمتوسطين من مدخراتهم وتشكيل التعاونيات بالقوة ، وسحب فيوض المال للصناعة ، وتمت إجراءات وحشية هائلة هنا ، لا تقل سوءً عن إجراءات التراكم البدائي في أوربا الغربية . كانت نمو ملكية الدولة الضخمة تتم بالأشكال الإدارية ، فتتحول كافة المؤسسات الحزبية والسياسية والنقابية إلى ذيول للدولة ، وكان الفكر الرأسمالي الحكومي يصير نظرية أسمها ( الماركسية – اللينينية ) حيث يمكن القفز على المرحلة الرأسمالية بمساعدة الدولة الاشتراكية الأم . ويحدث وهمٌ هنا في الدول الاستبدادية الشرقية بأن بإمكانية الدولة أن تتلاعب في التاريخ وتقفز على المراحل وتحقق المعجزات الاقتصادية ، بسبب أن التخلف يتيح لماكينة الدولة الضخمة أن تقوم بمعدلات تنمية كبير ، لكن هذا بشكل مؤقت ، لكن هذا لا يحقق اشتراكية بل رأسمالية حكومية ، ولكي تتحول إلى رأسمالية حرة تحتاج إلى ثورة لوضع حد لهيمنة الهياكل الإدارية – البوليسية . وهنا على الطبقات العاملة مهماتٌ جديدة مركبة باستثمار المرحلة السابقة ونقدها والتعاون مع البرجوازية الصناعية لتغيير مشترك . والآن لم تكتمل الثورة الديمقراطية في روسيا بعد وتحتاج للتخلص من الجوانب الشمولية من فكر لينين وتبقي إنجازات فكره الديمقراطي والعلمي . وستلعب هذه ( الماركسية – اللينينية ) دورها في بث الأفكار العلمية وكذلك الأفكار الإيديولوجية ، وعملية الفصل بين هذه العناصر هي مهمة دقيقة وقد ظهر مفكرون عرب كان لديهم هذين العنصرين المتداخلين . هادي العلــوي المثقف العربي الكبير الراحل هادي العلوي من الذين كرسوا أنفسهم لتحليل التراث العربي تحليلاً موضوعياً كاشفاً لجذوره وأبعاده الفكرية والسياسية ، في مشروع ضخم موزع على مجموعات من الكتب . وهادي العلوي هو امتداد ل [ المدرسة ] العراقية في بحث التراث العربي ، حيث تغلبت على المدرسة المصرية بغزارة إنتاجها وتواصلها ، خلال القرن العشرين كله ، بسبب تجذر دراسة تاريخ العرب والإسلام في هذا البلد ، إذا عرفنا إن العلامة جواد علي قد وضع أسس البحث الموضوعي لهذا التاريخ في مجلداته الكبيرة العشرة عن تاريخ العرب قبل الإسلام . ولكن كعادة العراق فإن العملية تقوم على جهود أفراد أبطال ، بسبب فترات القمع الواسعة في هذا البلد. ويمكن اعتبار حسين مروة هو استمرار لهذه المدرسة بسبب دراسته الطويلة في النجف والعراق ، لكن الفحص الواسع والدقيق لهذا التراث حققه هادي العلوي ، بشخصه الوحيد المستقل ، وكأنه أكاديمية كاملة ، وفي ظروف معيشية بالغة القسوة ، وفي حياة مليئة بالنفي والتشرد . لا يمكن استعراض عشرات الكتب التي صنفها في حياته ، حيث كرس نفسه كلياً للبحث والكتابة وانقطع عن الوظائف ، ولم يقبل أجوراً أو مكافآت من جهة رسمية أو خاصة ، وعاش نباتياً في حياة زهد وتضحية نادرة . أهم ما يمكن ملاحظته على قراءاته للتاريخ والتراث العربي هو رجوعه للمصادر القديمة ، واعتماده عليها ، للوصول إلى رأي دقيق حول أي مسألة فقهية أو سياسية أو فكرية أو اقتصادية أو ثقافية أو لغوية ، أي بكل هذا التعدد الاختصاصي المعقد والمركب . فمسألة الشورى يطرحها بالصورة التالية ، فالشورى معناها لديه : [حق مجموع المسلمين في اختيار الخليفة ، واستخدمت من قبل المعارضة في كفاحها من أجل خلافة يرضى عنها الجمهور . وانتقلت فكرة الشورى بهذا المعنى إلى الفقه فاعتبرت الخلافة غير شرعية إذا استندت إلى القهر والغلبة . . وهذا رأي أغلبية الفقهاء ، وقد شذت عنه فرقتان : الحنابلة الذين أجازوا أن تكون الخلافة بالقهر والغلبة ، والشيعة الذين قيدوا الخلافة بالنص .] ، ( 2 ) . في هذه المسألة المحورية في كل مجتمع يقول العلوي بأن الفقهاء المسلمين تتبعوا بدقة شروط أهل الحل والعقد الذين يشاورهم الحاكم المُنتخب ، ويلزمهم ثلاثة شروط : العدالة ، والعلم الذي يتوصل إلى معرفة من يستحق الإمامة ، والرأي والتدبير المفضيان إلى حسن الاختيار . [ وهنا يقول الفخر الرازي إن أهل الحل والعقد هم العلماء وهم أولو الأمر المطلوب طاعتهم ، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فغير واجبة ] ، [غير أن الفقهاء عدلوا في العصور المتأخرة عن هذا المبدأ فاعتبروا الشورى حقاً خاصاً بالأشراف والأعيان الذين منحوا صفة أهل الحل والعقد .] ، ( 3 ) . ولذا كان تثبيت النظام الوراثي صعباً حسب رأي العلوي في تاريخ المسلمين [وقد عانى معاوية صعوبات جمة في تثبيت حق الوراثة للخليفة واعتبر إجراؤه في تعيين ولده يزيد ولياً للعهد عودة إلى دين الهرقلية والكسروية ، أي إلى الملكية .] . وهنا يقدم العلوي مراجعه في هذه المسألة : الاستيعاب لأبن عبدالبر ، والأغاني ، والخوارزمي في مقتل الحسين وكتابه الإمامة والسياسة . وحتى خلافة عمر بن عبدالعزيز رآها الفقهاء بأنها تشكلت بطريقة خاطئة عبر كونه ولياً للعهد ، وقد استخلف بإرادة سليمان بن عبدالملك ، ولكن كما يضيف العلوي مستشهداً بسفيان الثوري : [ أخذ عمر الخلافة بغير حق ثم استحقها بالعدل] . يحدد هادي العلوي الكسروية التي رفضها فقهاء المسلمين بأنها تتعين بالأمور التالية : [1 - التصرف الشخصي بالأموال العامة . 2 - القتل الكيفي . 3 - الانهماك في الملذات . 4 - تضييع أمور الرعية والتعالي عليها.] ، ( 4 ) . ولكن لماذا تراجع الفقهاء والتيارات السياسية الدينية عن معارضتها الحازمة للاستغلال والدولة الاستبدادية ؟ يقول هادي العلوي إن ولاية العهد التي كانت مرفوضة في أغلبية الفقه الإسلامي حظيت باعتراف بعض الفقهاء في القرن الخامس الهجري . [ وقد سبق هذا الاعتراف أخذ الفرق المعارضة بنظام ولاية العهد في حالات وصولها إلى السلطة كدولة الإدارسة التي أقامتها الزيدية في المغرب والدولة الفاطمية التي أقامتها الإسماعيلية في مصر ] ، ( 5 ) . وهنا ينعطف العلوي ليناقش الوضع العام في التاريخ الإسلامي : [ يلاحظ أنجلز أن الحركات الاجتماعية التي قامت في الإسلام تتراجع عن أهدافها كلما وصلت إلى السلطة . والأمثلة التي ذ ُ كرت أعلاه تبرهن على صواب تشخيصه . ولكن لهذا الحكم استثناءات مهمة يمكن أن نتعرف عليها في شخصيات حاكمة مثل علي بن أبي طالب وعمر بن عبدالعزيز أو يزيد الناقص (. .) وفي حركة القرامطة في العراق والبحرين نموذج في غاية الوضوح للسلطة التي تتقيد ببرامج الحركة. ] ، ( 6 ) . وهنا يمكننا أن نتصور وننتقل إلى تصورات عامة لدى العلوي عن التاريخ العربي الإسلامي ، فالقول بأن الحركات الدينية تتراجع عن أهدافها حالما تصل إلى السلطة يبقى حديثاً عاماً غامضاً سواء من فريدريك أنجلز أو من هادي العلوي نفسه ، الذي أيد الحكم ثم قدم استثناءات تتمثل في شخوص هامة في هذا التاريخ ، ثم أنعطف إلى أحكام عامة تنظيرية له فقال : [ على أن تشخيص أنجلز لمصائر الحركات الاجتماعية في الإسلام يمكن أن يكون له مدلول آخر في ضوء نظريته ونظرية ماركس حول الوضع الآسيوي ، وهو هنا يلمس ما فصله أبن خلدون من خضوع التاريخ ( الإسلامي ) للدورات . ويمكن بالاستناد على هذه النظريات في الواقع حل إشكالات كثيرة في تاريخ تطور الشرق دون اللجئو على التخطئة الاعتباطية لعلماء عظام .] ، ( 7 ) . هنا نعثر على لمحات متقطعة لتصور العلوي عن عموميات التاريخ الإسلامي ، الذي لم يقدمه ، لأنه كان متوغلاً في الجزئيات والأوضاع الملموسة للظاهرات ، فهو لم يناقش مسائل مثل أسلوب الإنتاج الذي ينطبق على التاريخ الإسلامي ، وفي العبارات السابقة نلمح ذلك . والواقع إن حديث أنجلز حول التاريخ الإسلامي غير ممكن الاعتماد عليه بسبب عدم إطلاعه الكافي على مواده ومصادره ، وتدور فكرته على أن الصراع الاجتماعي في العصر الوسيط يتخذ له طابعاً دينياً ، وبالتالي فإن الصراعات المذهبية هي صراع طبقي بالضرورة ، ولكن أنجلز يقصد هنا إن أشكال الوعي في العصور السابقة مرتبطة بزمنها ، وليس من الضروري نقل ذات الأساليب إلى العصر الرأسمالي الحديث ، الذي يقوم فيه الوعي التقدمي بإزالة القشرية المثالية عن الصراعات الاجتماعية ويبرزها واضحةً نقيةً باعتبارها صراعات اجتماعية بدون عباءتها التي اختبأت تحتها طوال العصور القديمة السحرية أو الدينية فيما بعد . وسنجدُ إن مفكرين وحركات تستخدم مقولة أنجلز الواردة أعلاه بشكل خاطئ ويضر بالحركات السياسية التقدمية المعاصرة . أما قول العلوي بأن تشخيص أنجلز يمكن أن يكون له مدلول آخر حول نظريته حول أسلوب الإنتاج الآسيوي ، فهنا يتضح عدم وضوح فكرة هادي العلوي لهذه المسائل المركبة عن أسلوب الإنتاج في العالم الإسلامي . فأسلوب الإنتاج الآسيوي هو تعبير خاطئ وهو تعبير لا يحل لغز أسلوب الإنتاج في التاريخ العربي الإسلامي . إنه تعبير يضيعُ فرادة التاريخ العربي ، وهذا ما وقع فيه حسين مروة في تشخيصه لهذا الأسلوب كذلك . وقد أوضحنا في مواضع سابقة من هذا البحث ( الجزء الأول وفي فصل : دخول العرب في التاريخ العالمي ) ، بماذا تعبر الفترة الجزيرية من التاريخ العربي الإسلامي ، ثم الفترة التي تليها وهي فترة النظام الإقطاعي العام التي تبدأ من عصر عمر بن الخطاب ، التي لم تنفجر فيها الصراعات الاجتماعية ، مع زخم الفتوحات المالي والتوزيع العادل للفيء بين العرب ، وفي العصر الأموي والعباسي يتشكل نظام الإقطاع (المذهبي) المستمر إلى يومنا هذا . رأينا كيف كان تردد مقولات هادي العلوي حول أسلوب الإنتاج ، تعبيراً عن عدم الوصول إلى تعميمات نظرية عن تطور التاريخ العربي الإسلامي . فحديث أنجلز عن أشكال الوعي الدينية التي تعكس صراعات اجتماعية ، لا تفضي إلى اكتشاف أسلوب الإنتاج العربي ، كذلك فإن [ أسلوب الإنتاج الآسيوي ] هو خرافة أخرى في عملية البلبلة النظرية لهذا الاكتشاف ، أما تطرق هادي العلوي إلى رأي ابن خلدون وإن أنجلز يلمس ما فصله أبن خلدون ، فنجد هنا سلسلة من الارتباكات الفكرية ، وعلينا أن نفكك خيوطها واحدةً واحدة . إن أنجلز في طرحه للمادية التاريخية ، لم يعرف آراء أبن خلدون للأسف ، ولكن أبن خلدون من جهته لم يصل إلى المادية التاريخية . فابن خلدون تجاوز كثيراً مؤرخي عصره في مقدمته التي حدد فيها عوامل بشرية لتطور العمران ، ولكنه رأى ( القانون ) العام في صراع البداوة والحضارة ، ولم يأخذ صراع أهل الوبر وأهل المدر ، الرعاة من جهة ، وأهل القرى والمدن من جهة أخرى ، كعملية مركبة داخلة في أسلوب الإنتاج ، فأسلوب الإنتاج الإقطاعي الذي لم يتبلور بشكل ناجز في المرحلة الجزيرية الإسلامية ، أسسه العرب البدو وهم يطيحون بأنظمة العبودية الُمعممة ، المتشكلة منذ فجر التاريخ ، لأن التمايزات الطبقية المتحجرة لم تتجذر فيهم كبدو عاشوا حياة حرة ، وبهذا فإن الأمر ليس فقط لأنهم بدو استطاعوا أن يستولوا على المدن ، ويغيروها ، بل لأنهم يحملون أسلوباً جديداً للإنتاج ، وإلا كيف نفسر مرحلة أخرى قام فيها البدو : بنو هلال والقرامطة بالغزو لكن لم تحصل سوى آثار الخراب ؟ ! أي أن هؤلاء الأخيرين لم يستطيعوا أن يشكلوا أسلوبَ إنتاجٍ جديد . فهنا كان أسلوب الإنتاج الإقطاعي قد تمزق واهترأ . إن ابن خلدون يقدم لنا مواداً ثمينة لاكتشاف كل ذلك ، ولكنه يقف عند الموجات السطحية للتاريخ ، عند الملامح الأولى لها ، بدلاً من رؤية خطوط القارات ، وكان ذلك شيئاً مبهراً في زمنه . ( أنظرْ نفس هذه الدراسة ، الجزء الثالث : الفصل السابع عشر ، ص 428 وهو المتعلق بوعي ابن خلدون ) . ويحاول المؤرخون و[ المفكرون] الوقوف عند هذه الخلطة غير المتفاعلة بين آراء ابن خلدون وبين خطوط عريضة تائهة من المادية التاريخية ، فتفسد الخلطة بقسميها . لكن هادي العلوي لم يستهدف مثل هذه الخلطات ، ويكفي المقطع المستشهد به السابق ، ليوضح عملية الحيرة الفكرية التي وقع فيها ليصل إلى استنتاجات متقاطعة . إن التحليلَ العميقَ للتاريخ لا يمكن أن يصل إلى قوانين التطور الموضوعية إذا كانت هناك إسقاطات إيديولوجية معاصرة . أي أن الباحث وهو يحلل التاريخ عليه أن يتجرد من المواقف الضيقة لحزبه ، أو التي تنبع من ذاته ، ويكتشفه في سيرورته الحقيقية ، بغض النظر عن مدى تعاطفه مع الفرقاء المتصارعين في الماضي والحاضر . والعلوي يمتلك تعاطفاً قوياً وحاداً مع الفقراء وثوراتهم حتى لو كانت سلبية ، ويكره الأغنياء وأعمالهم حتى لو كانت إيجابية . وقد انعكست روحية الزاهد الثائر على مواقفه من الشخصيات ومن التاريخ والحركات الفكرية والاجتماعية . ولهذا فإنه ضد الرأسمالية ، ويطرح تجاوزها والقفز عليها ، ويريد من المناضلين أن يكونوا مجموعة من الزاهدين المتصوفين . هنا يتداخل الذاتي الشخصي مع الذاتي الحزبي ، فرفض الرأسمالية والعيشة بطرقها ، يندمج مع الفكرة الشيوعية لهذه المرحلة برفض الرأسمالية والقفز عليها للوصول إلى الاشتراكية ، أي يتداخل المسار العراقي بالمسار الروسي ، وتــُطرح شخصيات عراقية كنموذج للينين ، ويأخذ المسار الشيوعي العراقي المسار الشيوعي الروسي ، ومن هنا يغدو التراث العربي لوحة لظهور الكفاح الطبقي المتواصل ضد الاستغلال ، ويحدث غبشٌ خاص حول العمليات الموضوعية للانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية . وبهذه المنهجية المضادة لقراءة القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي ، فإن المواد الثمينة والدقيقة في رصد الوقائع الجزئية والظاهرات التحليلية الملموسة ، سوف تتشوش مواقعها بعدم رصد اللوحة العامة لمسار التاريخ . أي لعدم رؤية لماذا عجز التاريخ العربي الإسلامي عن إنتاج الرأسمالية والحداثة ؟ فقراءة هذا العجز تقود إلى اكتشاف علل التخلف ، وخاصة البُنى الاجتماعية الراهنة . إذا كانت الرأسمالية مرفوضة في الماضي والحاضر لدى هادي العلوي والعديد من المفكرين العرب والنخب ، فكيف يمكن أن يتواصل التاريخ الثوري ويحدث التقدم ؟ إنهم يرون إن الملكيات العامة التي كانت تـُدار وتستغل من قبل الطبقات الحاكمة ، ينبغي أن تستمر وتدار من قبل خلفاء عادلين . وهو الأمر الذي جرى في عهود علي بن أبي طالب وعمر بن عبدالعزيز ويزيد الناقص ، كما حدد هادي العلوي هذه الأسماء سابقاً . ولهذا فما على الحزب الثوري المعاصر سوى أن يواصل استخدام الملكيات العامة لخدمة التحول وإزالة الفقر والرأسمالية . ولا شك إن وجود القطاع العام الُمدار بشكل ديمقراطي برلماني أو من خلال وزارة يقودها الديمقراطيون ، أي ما نسميه الآن برأسمالية الدولة الوطنية الديمقراطية ، هو أفضل حل لقيادة اقتصاد يتجه للتنمية وإزالة الفقر ، ولكن كيف يمكن إزالة الرأسمالية ؟ ! إن المسألة تنطرح لدى العلوي بالقفز على المرحلة الرأسمالية ، وهذه الوجهة النظر حين تــُطبق على التاريخ العربي الإسلامي ، سوف تضع حركات الزهد والصوفية باعتبارها حركة ثورية عظيمة ، في حين إنها رغم دورها الاحتجاجي مثلت كارثة للتطور الاجتماعي والفكري . أو حين نرى زهد الخلفاء واستمرار الملكية العامة كشيء إيجابي أخير في عملية التغيير ، في حين كان توزيع الملكيات العامة الزراعية وتحرير الفلاحين من الإقطاع السياسي العام هو بداية الحل لظهور الرأسمالية بشكل واسع وإحداث تحول جذري في التاريخ العربي الخ . . ولكن كيف يمكن أن يرى في الرأسمالية تطوراً ؟ ! وتتطابق هذه التصورات مع حياة هادي العلوي الشخصية ، فقد كانت أسرته تنتمي إلى طبقة الفلاحين العراقية الجنوبية ، التي تعرضت للتدهور ، يقول : [فيما يتعلق بالوضع الاجتماعي ، كان والدي عامل بناء . وقد نشأتُ في ( كرادة مريم ) ، وهي ضاحية ريفية من ضواحي بغداد يصدق عليها بالضبط وصف أنجلز ( فلاحين مستقرين لكنهم في حالة انحطاط ) ] ، ( 8 ) . إن هذه الحياة المطحونة لفقراء الفلاحين وأبنائهم قد قادت العلوي لتأييد الخطوات البرامجية اليسارية القصوى ، فعبر الارتكاز على الملكيات المشاعية والعامة التي يؤكد العلوي على وجودها الغابر في الجزيرة العربية خاصة ، وبإحداث سياسة زهد وتقشف عامة ، وفي قراءة التراث بتأكيد ملامح الزهد والزاهدين والثائرين في التاريخ العربي الإسلامي ، ورفض البرجزة ورفض تحول القوى السياسية التقدمية إلى دكاكين ومجموعات من المقاولين والسماسرة ، يمكن تشكيل الطريق إلى الاشتراكية . وإذا كان هذا البرنامج رد فعل على تردي بعض الجماعات التقدمية في الانتهازية السياسية ، فمن المستحيل جعل الناس تعيش على اشتراكية الكفاف . وقد قادت هذه الأفكار العلوي إلى رؤية التجربة الصينية كنموذج للطريق إلى الاشتراكية ، وبدت ( الماوية ) هي الحل النموذجي ، فهنا ملايين الزاهدين العاملين على الحد الأدنى من الطعام وهنا الملكية العامة وتجربة التصنيع التسريعية وإحداث النهضة بأقصر الطرق . لكن العلوي يرفض ما أسفرت عنه التجربة الصينية من انتصار رأسمالية السوق ومافيا الحزب الحاكم ، وهو لا يرى كيف قادت اشتراكية الثكنات العسكرية إلى هيمنة بيروقراطيي الدولة ونخرهم للملكية العامة ، مثلما قادت دكتاتورية قادة الحزب إلى هدم الرأسمال العام النظري ، وإلى دخول الرأسمالية من الشباك الاشتراكي ، ولكنه لم ير في تحولات البيرسترويكا سوى خيانة لقضية الاشتراكية مثلما ينظر اشتراكيو الكراسات العتيقة ، وليس عودة للقوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي . مهدي عامل لا شك أن المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل من المساهمين البارزين في تحليل الواقع العربي المعاصر من منطلقات نقدية عميقة وخاصة من رافد الماركسية البنيوية ، التي قام بتطبيقها على الواقع العربي بصورة حرفية، دون رؤية الاختلاف بين مستوى التطور الغربي ، وتطور البُـنى الاجتماعية العربية . ونحاول في هذه الموضوعات قراءة آرائه وتحليلاته لندوة جرت في الكويت في السبعينيات من القرن الماضي ، اتخذت لها عنواناً هو ( أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي ) ، وقد ناقشها في كتابه : ( أزمة الحضارة العربية أم أزمات البرجوازيات العربية ؟ ) . يفترض مهدي عامل مسبقاً ، ودون دراسات ، بأن المجتمعات العربية هي مجتمعات رأسمالية . فهو يصر على أن ( نمط الإنتاج الرأسمالي المسيطر في البنيات الاجتماعية العربية) ، ( 9 ) . إن هذا يبدو لوعيه شيئاً بديهياً ، صحيح إنه يقول أن ثمة علاقات ما قبل رأسمالية في هذا الإنتاج غير أنها ليست سوى بقايا . فيقول بوضوح : إن فهم تطور بنية علاقات الإنتاج الرأسمالية مثلاً في البلدان العربية في الوقت الحاضر ، وفهم أزمات هذا التطور يستلزم بالضرورة الانطلاق بالتحليل من هذه البنية بالذات في شكل وجودها القائم في كل من البلدان العربية. ) ، ( 10 ) . وليس ثمة من الضرورة بحث جذور هذه البُنى ( مع ظهور الإسلام مثلاً ، أو مع الجاهلية ، أو مع بدء العصر العباسي أو الأموي أو الأندلسي أو عصر الانحطاط الخ . . ، بل هو يبدأ مع بدء التغلغل الإمبريالي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.) ، ( 11 ) . وهو يعترف بأن ثمة ( أشكالاً من الإنتاج سابقة على الإنتاج الرأسمالي لا تزال حاضرة في البنيات الاجتماعية العربية ) ، غير أنها ليست سائدة فيه ، بل الإنتاج الرأسمالي هو السائد . ونحن نحاول أن نفهم كيف استطاع الاستعمار أن يجعل من هذه العلاقات سائدة ؟ أي كيف استطاع أن يجعل العلاقات ما قبل الرأسمالية لا تسود بل أن تسود العلاقات الرأسمالية ؟ لا يقوم مهدي عامل ببحث هذه المسألة تاريخياً ، بأن يعطينا أمثلةً عن بلد عربي ومنذ القرن التاسع عشر تحول إلى الرأسمالية ؟ فلا نجد . ولا أن يقوم بتحديد متى استطاعت البرجوازيات العربية أن تستولي على الحكم وتنشر النظام الرأسمالي الشامل ؟ ومن جهة أخرى فهو يؤكد بأن ( كثيراً من علاقات الإنتاج الاجتماعية ، سواء في الحقل الاقتصادي أم السياسي أم الإيديولوجي ، التي تنتمي إلى أنماط من الإنتاج بالية ، أي بالتحديد ، سابقة على الرأسمالية ، لا تزال قائمة في البنيات الاجتماعية المعاصرة ) ، ( 12 ) . ينطلق مهدي عامل لتحديد هيمنة الرأسمالية على العالم العربي منذ القرن التاسع عشر بشكل مضاد للقراءة الموضوعية ، وهو يفترض رأسمالية سحرية تتشكل منذ أن تطأ بوارج بريطانيا وفرنسا الشواطئ العربية ، في حين إن الرأسمالية تتعلق بمدى تشكل الرأسمال الخاص في القطاعات الاقتصادية المختلفة ، ومدى انتشار العمل المأجور على بقية أنواع العمل في النظام الاجتماعي . وتتحددُ سيطرةُ البنيةِ الرأسماليةِ بوصولِ منتجي البضائع إلى سدة الحكم ، وإزاحة ملاك الأرض وإقطاعيي السلطة السياسية ، وسيادة العمل بالأجرة ، وهي كلها أمور لم تتحقق في نهاية القرن التاسع عشر ولا في نهاية القرن العشرين العربيين ! ولكن مهدي عامل يُصادر ببساطة ، قبل أن يبحث ، فهو منذ البدء يقول : ( أزمة البرجوازيات العربية. .) فأفترض إن هذه البرجوازيات قد حكمت وتعفنت في الحكم وهي مأزومة الآن ؟ ! في حين إن البناء الاقتصادي والسياسي لم تتحقق فيه شروط انتصار الرأسمالية ! ولكن ذلك لا يتعلق فقط بالبحث الفكري بل والأخطر بالمهمات السياسية المباشرة ، فيقول بأن : ( المهمة الأساسية لحركة تاريخنا المعاصر بهذا الشكل ، لاتضح لنا أن تحققها يمر بالضرورة عبر عملية معقدة من الصراع الطبقي ضد البرجوازيات العربية المسيطرة . .) ، ( 13 ) . ولكن كيف يمكن إسقاط أسلوب إنتاج لم يُسد وطبقات لا تحكم ؟ علينا أن نناقش مسألة أسلوب الإنتاج الكولونيالي التي طرحها مهدي عامل ، كي نقوم بتفكيك تفكير هذا المفكر ، وهي التي اعتبرها حجر الزاوية في نظريته حول تطور العالم العربي . كما رأينا سابقاً ، ( راجع الفقرة حول التاريخ العربي ) إن مهدي عامل يرفض تحليل البنية الاجتماعية العربية الحالية من خلال جذورها ، وهو ينتقد المفكرين العرب المجتمعين في الكويت لمناقشة ( أزمة تطور ا

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0