عن مو يان

غوان موييه (الصينية المبسطة: 管谟业; الصينية التقليدية: 管謨業; نظام الكتابة الصينية: Guǎn Móyè) المعروف باسمه الأدبي مو يان (الصينية: 莫言; نظام الكتابة الصينية: Mò Yán العربية: «لا تتحدث» أو «الساكت» أو «اسكت») (ولد في 17 فبراير 1955)، هو كاتب صيني، يوصف ب..

عن حسانين فهمي حسين

مترجم من مصر..

كتب أخرى لـِ مو يان، حسانين فهمي حسين


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


الصبي سارق الفجل (161 صفحة)

عن: الهيئة المصرية العامة للكتاب (2015)

رقم الايداع : 9789779103334
الطبعة : 1
التصنيفات : أدب

"الصبي سارق الفجل" هي أول رواية قصيرة تصدر لأديب نوبل الصيني "مو يان"، وهي الرواية التي دفعت بصاحب "الذرة الرفيعة الحمراء" إلى الساحة الأدبية الصينية عام 1985، ويكاد يجمع نقاد الأدب الصيني على أن هذه الرواية تحتل مكانة خاصة في مشوار "مو يان" الإبداعي، حيث سجلت واقعية "مو يان" واهتمامه الواضح بالبيئة الريفية التي يقول بأنها قدره في الكتابة. وفي حوار خاص للمترجم مع السيد "مو يان" عقب حصوله على جائزة نوبل في الآداب عام 2012، ذكر أن رواية "الصبي سارق الفجل" تعتبر أول رواية في مشواره الإبداعي، ولها الأثر الأكبر في ظهور اسمه في الساحة الأدبية الصينية، ولقد أكدت فور صدورها مكانته ككاتب شاب آنذاك، وبالطبع تشير الرواية إلى بعض الجوانب في حياة المؤلف الشخصية حيث عمل في طفولته كعامل أجير في مسقط رأسه بريف شاندونغ، وحدث معه الكثير من الأحداث التي سجلتها الرواية حول البطل الصبي سارق الفجل.
ويعتقد الكثير من النقاد والقراء أن هذه الرواية هي أفضل أعمال "مو يان" على الإطلاق، فقد كتبها آنذاك قبل الإلمام بالنظريات الأدبية الحديثة والكثير مما يتعلق بأساليب الإبداع الأدبي، فهي تتمتع ببراءة السرد والصدق في تصوير العالم المحيط بالكاتب.
"الصبي سارق الفجل" رواية تنحت مادتها من طين القرية الصينية وتقدم شخوصًا تتنفس هواء حياتها اليومية.


  • الزوار (197)
  • القـٌـرّاء (1)
  • المراجعات (4)
ترتيب بواسطة :

في روايته «الصبي سارق الفجل» الصادرة أخيراً ضمن سلسلة الجوائز (الهيئة المصرية العامة للكتاب) بترجمة حسنين فهمي حسنين، وتقديم محسن فرجاني، يضعنا مو يان أمام بطل لا يتجاوز العاشرة من العمر، وعلى رغم صغر سنه فقد أصرَّ مو يان على أن يجعل منه بطلاً أسطوريا في تحمل الألم، وكأنه طفل الخطيئة الذي جاء ليتعذب منذ بداية النص حتى نهايته، من دون أن نعرف سبباً لذلك. ربما يفسر البعض الأمر على أنه كراهية من مو يان، لماو تسي تونج وثورته الثقافية، فعكف على إظهار صعوبة الحياة وشظفها على الصينيين في هذه المرحلة من خلال ذلك الطفل الذي يسافر والده للعمل في قرية أخرى، فيما زوجة أبيه تتفنن في تعذيبه، ما دفعه للخروج مع عمال التراحيل لإصلاح قنطرة على نهر كبير. وقد يذهب آخرون إلى أن مو يان جمع كل هذه العذابات على قلب الطفل الصغير وجسده، لإيمانه بالنموذج الكافكاوي في الكتابة. لكن واقع النص يدلنا على أننا أمام قصة قصيرة تفنَّن مو يان في إطالتها عبر حشد أكبر قدر من الرومانسية الاشتراكية، من خلال رصد عشرات المشاهد التي تزيد الشعور بالشجن. ولد مو يان في مدينة قاومي في شمال مقاطعة شاندونغ لعائلة من المزارعين، ما يفسر انشغاله بعالم الريف ورصد تفاصيله في أعماله التي تنوعت ما بين القصة القصيرة والنوفيلا والرواية. وكانت «الصبي سارق الفجل» العمل الذي نبَّه الثقافة الصينية إلى ميلاد كاتب كبير عام 1984، خصوصاً أنه قد أعقبه بسِفره الأجمل «الذرة الرفيعة الحمراء»، والذي رصد فيه شظف العيش لدى الصينيين في ظل الاحتلال الياباني، ما يوضح أن مو يان كان منشغلاً في الأساس برصد وقائع الفقر وثقافته لدى الصينيين، وكيف تعايشت الأمة الصينية مع يومياته في ظل اشتراكية تمدهم برواتب زهيدة، وتطالبهم بجهد غير محدود. لا ينتمي مو يان إلى الرؤية الكابوسية لدى كافكا، ولا إلى التعقيدات الذهنية لدى فوكنر، ولم يكن دافعه في هذا العمل السخرية من ماو تسي تونج وثورته الثقافية التي جرت في الفترة من 1966 حتى 1976، لكن أعلن انتماءه إلى الحس الرومانسي في الرؤية الاشتراكية للأدب، حيث جعل بؤس الفقراء حالة أشبه باستعذاب الألم، فجميع الشخوص لم يقدموا سعياً للخلاص من فقرهم، وعلى النقيض تفنَّنوا في الاستسلام له، والتحايل من أجل استمراره، بدءاً من «ليو»؛ رئيس العمال الذي يتمتع بلسان سليط، والذي على رغم يقينه بأن الصبي لا يتمتع بصحة تؤهله لأي عمل، إلا أنه كلما يفشل في عمل يوكل إليه آخر، وصولاً إلى «جويتزة» التي وضعته في حمايتها وكأنها صارت أماً بديلة له، مروراً بالحدَّاد الأعور الذي أحبَّ «جويتزة» لكنها فضَّلت عليه البنّاء الشاب، فحصر همه في التخلص من رئيسه العجوز وتكليف الصبي بأعمال تفوق طاقته. هكذا تدور الرواية في عالم من القسوة وشظف العيش، لكن الجميع لا يفكر في الخروج من هذه الحالة، بل يقدم نوعاً من التكافل الاجتماعي لاستمرار الوضع على ما هو عليه، فلا أحد يثور على رئيس العمال، لا أحد يقرر الهروب للعمل في الحقول المليئة بالبطاطا والفجل الذهبي، وفي الحياة نجد قصة حب بين «جويتزة» والبناء، نجد صبياً يترك بيته لأن زوجة أبيه تضطهده، ومن ثم يلجأ إلى مجتمع على رغم قسوة الحياة فيه إلا أنه يعترف بين أعضائه بضعف الطفل ونحافته، وهو ما يجعل «جويتزة» تضفي عليه حمايتها، وجعل رئيس العمال يساعده على تغيير عمله مرات، ومنحه وجبة غداء مقابل حراسته لأدوات الحداد أثناء غداء العمال، وتغافل عن كونه يبيت مع النائمين أسفل الجسر على رغم أنه من أهل المدينة. في المقابل نجد إصرار الصبي على العمل على رغم عدم مطالبة أحد له بذلك، حتى أننا لا نعرف لمن سيمنح الأموال التي سيحصل عليها، نجد «جويتزة» تُطببه حين يجرح يده وحين يلسعها بأدوات الحداد، ونجده يقابل رعايتها له بعض يدها بأسنانه، توحي القصة بحالة من الرومانسية التي يتوقع القارئ أنها نشبت بين الصبي و «جويتزة». لكن الكاتب في النهاية ينتصر إلى الشكل الطبيعي المعتاد في العلاقات الرومانسية. هكذا سيطرت الرومانسية الاشتراكية على العمل، فكل شيء فيه على رغم قسوته وبؤسه إلا أنه يبدو كما لو أنه قطعة من حلم طويل، فقد صاغه مو يان بهدوء ونعومة وسلاسة من يتحدث عن أمر محبب إلى النفس، ومن ثم فقد تنوعت مشاهد الوصف الصوفي للفجل الذهبي في ضوء القمر، والبطاطا وشيها على سندان الحداد، وحديث البط والأوز عن الصبي الأسمر وكيفية مساعدته. وجاءت مشاهد وصف الحقول والقمر وتوقف العمل وخروج العمال للغداء أو المبيت، العديد من المشاهد التي صنعت بنعومة رومانسية، حتى وإن كانت ترصد واقعاً بائساً ومليئاً بالقسوة وشظف العيش، لكن الجميع متوافق معها ولا يصفها كاتبها بجملة تعبر عن كراهية الأبطال لهذا الواقع. بدأت فكرة كتابة هذا النص وفق ما، قال مو يان من حلم رأى فيه حقل فجل كثيف الخضرة تحت نور الصبح، وفي الحقل شيخ طاعن في السن تقوَّس ظهره، وثمة فتاة تقدمت إليه وهي تحمل صنارة، فاصطادت حزمة فجل، ورفعتها ومضت في طريقها وهي ترفع وجهها صوب الشمس، وجبينها يتألق بالأنوار الساطعة، فشعر أن المنظر رائع وأنه جدير بأن يكون أحد مشاهد حكاية أو فيلم. ومن ثم بدأ في كتابة هذه الرواية، والتي لم تبتعد شخوصها الأساسية عن الفتاة «جويتزة» والشيخ العجوز صاحب حقل الفجل، لكن تحوَّلت عملية سرقة الفجل إلى ممارسة الحب بين «جويتزة» والبناء أثناء بحثهم عن الصبي، هذا الذي دلَّه الحداد على سرقة الفجل والبطاطا لسد الجوع، وانتهى الأمر بأن أخذ الصبي يخلع رؤوس الفجل ويلقي بها في وضح النهار إلى الشمس، ما أوقعه في يد الشيخ العجوز، الذي لم يضربه ولم يتركه من دون عقاب، فقط أخذ منه ملابسه وتركه يعود عارياً. عمل مو يان؛ كالكثير من أبناء العالم الثالث في صباه، وأثناء الثورة الثقافية، عمل في مصنع للبترول، ثم التحق بجيش التحرير الشعبي وهو في العشرين من عمره، وفي عام 1979 انضم للعمل في رئاسة الجيش، وفي عام 1983 أصدر مجموعته القصصية الأولى «أرجوحة الكلب الأبيض»، وفي العام التالي 1984 صدرت «الصبي سارق الفجل»، ليبدأ معها عمله كمعلم في قسم الآداب بأكاديمية الجيش الثقافية، ويحصل عام 1991 على درجة الماجستير في الآداب من جامعة بكين للمعلمين، ويترك الجيش ليتفرغ للكتابة عام 1997، ويحصل خلال مسيرته الأدبية التي لم تتجاوز الثلاثين عاماً على أرفع الجوائز الأدبية من بينها نيوشتاد الدولية عام 1998، وفوكوكا الآسيوية عام 2005، ومان الآسيوية عام 2007، ونوبل للآداب عام 2012، وكانت روايته «الذرة الرفيعة الحمراء» قد تحولت إلى فيلم عام 1987، أي بعد عامين من صدورها.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

يدهشنا أديب نوبل الصينى مو يان بقدرته الفذة على رسم ملامح حياة المهمشين بالذات فى القرى الفقيرة، إنه لا يحكى عنهم من أعلى، وإنما يبدو كما لو كان فلاحًا يحكى عن فلاحين، لا توجد لديه تلك المسافة بين الحياة فى حضورها الصاخب، وبين التعبير عنها فى شكل أدب، بل إنك تكاد تسمع صوت حكاء يسرد ببساطة، فى نفس الوقت الذى تقرأ فيه السطور، يحدث ذلك فى رواية ضخمة فخمة مثل «الذرة الرفيعة الحمراء»، أو فى رواية قصيرة جدًا كتلك التى أحدثكم عنها بعنوان «الصبى سارق الفجل»، الصادرة فى سلسلة الجوائز عن الهيئة المصرية للكتاب، بترجمة د. حسانين فهمى حسين، وبتقديم د. محسن فرجانى. المكان قرية صينية فقيرة أثناء الستينيات من القرن العشرين، والبطل صبى صغير عارٍ إلا من بنطلون قصير، وقماش مهترئ يكشف ظهره المليء بالندبات، الولد لا يرتدى حذاء، رفيع مثل البوصة، لا يتكلم أبدًا، رأسه أقرع، والده تزوج من امرأة أخرى غير أمه، وزوجة أبيه لا تفيق من النبيذ، فتضربه وتسخّره للعمل، لديه أخ صغير غير شقيق، أما الأب فقد سافر إلى منطقة تبعد عن قريته مئات الكيلومترات، ولم يعد أبدًا، والآن على الصبى الصغير أن يدبر أحواله، وأن يعمل بلا هوادة ليكون له مكان تحت الشمس. لا يمنح مو يان اسمًا لبطله، فهل تراه اعتبره مجرد حالة تعكس آلاف الصبية العاملين؟ أم تراه وجده معادلًا يعكس تجارب مو يان نفسه الذى عمل أجيرًا فى صباه؟ المهم أن طريقة مو يان اللامعة فى تقديم شخصياته بحب وتعاطف تأسرك منذ اللحظة الأولى، ولا تغيب عنه الإشارة إلى أن الاشتراكية يجب أن تولى الرعاية لهذا الصبى وأمثاله، ولكننا نكتشف طوال السرد أن الصبى ينتقل من عمل إلى عمل آخر أسوأ منه، ويناديه أصحاب العمل طوال الوقت بعبارات مهينة مثل «يا كلب»، و«يا قرد»، وهو لا يرد أبدًا، وإنما يظهر تمرده أحيانا فى شكل سلوك عنيف للغاية، مفاجئ، وغير متوقع. يلفت الأنظار أيضًا أن مو يان يجعل شخصياته فى قلب البيئة التى ترسم تفاصيلها ببراعة، فتسمع أصواتها، وتشم روائحها، وتشاهد ألوانها، بل إن مفردات الطبيعة تبدو أكثر رحمة وتواصلا مع الصبى: المياه تطبب جروحه، والبط يتهامس عنه، والأعشاب تحنو عليه، وثمار الفجل والبطاطا تعطيه الغذاء، ولا يتعاطف معه من البشر سوى الفتاة العاملة الجميلة جيوتزه التى تعاملة مثل أخ صغير، وحبيبها الشاب البنّاء الذى يحاول أن يخفف معاناة الصبى، والحداد العجوز الذى حاول أن يعلم الصبى أسرار الصنعة. ولكن فى مقابل هؤلاء، يوجد نائب رئيس العمال الذى لا يتوقف عن سبّ الصبى، والسخرية منه، وكذلك الحداد الشاب الأعور الذى يعامل الصبى بفظاظة وعنف، والذى يحرضه على سرقة ثمار الفجل والبطاطا، دون أى تحمل لمسئوليات هذه السرقة. من الزاوية البعيدة، فإن الرواية تتحدث عن مشروع كبير لتوسيع الهويس القريب من القرى، وإفادة الزراعة والفلاحين وفقًا لرؤية الزعيم ماو التى شرحها فى العام 1958، ولكن مو يان يستخدم زاوية قريبة جدًا تبرز معاناة الفلاحين والفلاحات، الذين يعملون مقابل نصف كيلو من الأرز، وما يعادل عشرين قرشا، والذين ينامون فى فتحات تتسلل منها الرياح الباردة، الفلاحون القريبون من المكان لا يسمح لهم بتناول الطعام، حيث يعودون ليأكلوا ويبيتوا فى منازلهم، أما الطعام فهو لا يزيد عن خبز الذرة مع البصل أو الخيار. هنا رؤية قريبة تتضاءل بجانبها الرؤية العامة، ما يعنى مو يان ليس الخطة العامة، أو مشروعات الزراعة الكبرى، أو نظام الكوميونة الإدارى، وإنما يعنيه الإنسان الذى يفترض أن يكون هدف كل هذا النشاط، ثم يخصص من بنى الإنسان هذا الصبى الصامت العارى، الذى يسندون إليه مهمة تكسير الحجارة جنبًا إلى جنب مع الكبار، فيصيب يده وأظافره إصابات بالغة، فينقلونه للعمل مساعدًا للحداد، الذى يعيد إصلاح معدات العمل من المطارق الكبيرة، يتحول الصبى إلى كتلة من السواد، بسبب عمله فى نفخ النار، والتعرض لدخان الفحم، ثم يصبح سارقًا للفجل والبطاطا، لكى يحصل على رضا معلمه الشاب الحداد الأعور، بعد أن غادر الحداد العجوز المكان، احتجاجًا ربما على محاولات مساعده الشاب لكى يأخذ موقعه. تمتلئ الرواية بتشبيهات مو يان المدهشة المأخوذة من الطبيعة، فيصف مثلا وجه رئيس العمال المنتفخ أثناء الأكل بأنه مثل «بطن فأر انتهى لتوه من التهام ما استطاع من طعام وسط زراعات الخريف»، ويصف قرص الشمس وقد شق الضباب بأنه «قطع من جبن الصويا»، ويصف صوت منفاخ الحداد المنخفض بأنه مثل «شخير الرضيع»، لا مثيل للطريقة التى تقوم بها هذه التشبيهات بخلق الجو العام للمكان وللحدث، وهى طريقة تذكرنا بما كان يفعله السارد الشفاهى لكى يجذب أسماع الحاضرين. وقد كان المترجم موفقًا للغاية عندما ترجم حوارات الرواية إلى المحكية المصرية، وليس إلى الفصحى العربية، كما أنه ترجم أغنية حزينة جميلة إلى المحكية المصرية، إنها الأغنية التى يغنيها الحداد الشاب، ثم يكملها الحداد العجوز، والتى تعبر عن بؤس مشترك لم ينته إلى الوفاء والاعتراف بالجميل، وهذه هى إحدى تجليات خذلان البشر لبعضهم البعض، بينما تبدو الطبيعة فى روايتنا دائمة العطاء، دون أن تطلب أى مقابل. يمكننا تفسير عنف الصبى تجاه الفتاة التى تعطف عليه وحبيبها بأنه اعتقد أنهما يمنعانه من العمل، وبالتالى سيكون عليه أن يعود إلى قريته، وإلى معاملة زوجة أبيه القاسية. الصبى، بشكل أو بآخر، يبحث من خلال العمل عن انتماء لمهنة أو مكان، إنه يريد أن يتحقق ويصبح رجلًا مستقلًا، ومن هذا المنطلق أيضًا يمكن أن نفهم محاولة الصبى أن يرضى معلمه الحداد الشاب بسرقة الفجل والبطاطا، رغم أن الحداد الشاب يمنعه حتى من التقاط ثمرة بطاطا ليأكلها. وعندما يصف مو يان الفجل بالذهب والفضة، فإنه يجعله بالنسبة للصبى معادلا لِجنّة حقيقية، يمكن أن تنقل الولد الوحيد من حال إلى حال، ولكن الحلم لا يتحقق، إذ يضبطه حارس الحقل ومساعده، فيجردانه من ملابسه القليلة، ويعيدانه عاريا من جديد، وينهى مو يان روايته البديعة بجملة «يا أيها الصبى الأسمر» التى كانت ترددها جيوتزه وحبيبها بحثًا عنه، وكأن الحكاية مفتوحة: فلا الصبى سيتخلص من عذاب العمل والعرى، ولا الفتاة وحبيبها سيتركانه، وهى أيضًا بلا شك نهاية متعاطفة وجميلة. «الصبى سارق الفجل» تؤثر عبر تكنيك ذكى يجعل القارئ فى قلب المكان والبشر، لا تصرخ ولا تتاجر بالمأساة، تبدأ من المشروع الكبير، لتتوقف عند صبى مختلف، كان يمكن أن يكون شيئًا آخر، لو وجد من يرعاه، بدلا من أن يحطم الصخور، أو ينفخ فى الكير، أو يسرق الفجل والبطاطا، من دون أن يأكلهما.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

تتسم أعمال الأديب الصيني الحائز على نوبل في الآداب عام 2012 مو يان، بنزوع سيري بارز، حيث ثمة ترددات لصورة ذاتية لحياة الطفل الذي عاشه الكاتب في قريته قاو مي، والمهن التي امتهنها وهو صغير فيها قبل أن يلتحق بجيش التحرير، وإن كانت ثمة مسافة بين كتابة الذات الخالصة، التي تخضع كاتبها لقسم سيري، وهو معيار مهم من دونه يخرج أي عمل من فضاء كتابة الذات، وكتابة التخييل الذاتي كما هي عند مو يان، وتكاد تكون تيمة أصيلة في معظم أعماله (على الأقل ما ترجم من أعمال إلى اللغة العربية). لا تفارق رواية “الصبي سارق الفجل” للكاتب الصيني مو يان فضاء الريف الذي برع الكاتب في تصويره في أغلب أعماله الروائية، فمنذ الاستهلال الذي تغلب عليه رومانسية حالمة، يصف المناظر الريفية المحيطة بالقرية، خاصة الأشجار والنباتات، دامجا بينها وبين وصف البنات اللاتي يعملن في تكسير الأحجار ومرور نائب رئيس العمال ليو، وتوبيخه لهن. اللافت أن البطل، الصبي الأسمر، يتنقل بين مهن عديدة لا علاقة لها بالزراعة، مثل مساعد عامل بناء، وعامل في تكسير الأحجار ثم أخيرا مساعد حداد، إلا أن المحيط الذي يتحرك فيه ينتمي إلى هذا الفضاء الريفي، وكذلك العاملات في تكسير الأحجار، فالحقول متصلة بمواقع العمل. ضد البساطة قراءة الرواية على أنها حكاية هذا الطفل، الذي وصفه الدكتور محسن فرجاني في تقديمه للرواية بأنه «الولد الأسمر ابن العاشرة الذي يبدو وكأنه صورة منقولة من قصص رسوم الأطفال، يتطلع إلى الشمس فيجد أشعتها قد تلونت بالزرقة، وينصت ملء أذنيه فيسمع صوت ارتطام شعرة سقطت من رأسه على الأرض، ويمسك بيده الحديد وهو ملتهب وينظر في الظلمة الحالكة فيتجلى لعينيه منظر الفجل الشفاف، حتى تخاله عفريتا من الجن»، فيها تجن وظلم للرواية والروائي الحاصل على نوبل، فالحكاية التي قدّمها المؤلف تبدو حكاية بسيطة ومتكرّرة في مناطق مختلفة، حيث صورة الطفل المقهور من عائلته، والذي ترمي به الظروف في طريق العمل المبكر، متحملا كافة أنواع الشقاء، دون أن يجأر بالشكوى أو حتى يستمال لتعاطف ما، إلا أن الكاتب ركز على الجوانب النفسية للبطل، مظهرا انفعالاته الصامتة إزاء ما يواجه من مصائب ونوائب، وبالأحرى ما يواجهه من قهر. يغلف الكاتب عمله بإهاب البساطة كمقابل لقبح الواقع الذي طارد الصبي في كافة أماكن تواجده سواء البيت (وهو مكان لم يتحقّق فيه التواجد إلا للحظات جلب المطرقة) أو العمل. بساطة بادية في كل شيء منذ الحكاية البسيطة التي تدور في فلك شخصية الصبي، ومَن تَعرَّف عليهم من شخصيات الرواية بحكم الرباط العائلي كزوجة الأب بعد أن هجرهما الأب (هو وأخوه)، أو بحكم العمل (لاحظ لا توجد علاقة صداقة وإن كانت ثمة علاقة تعاطف) وتنوّعهم بين شخصيات خيّرة كالفتاة جيوتزه والشّاب البنّاء والشيخ الحداد، وأخرى شريرة وما أكثرها في محيط عالم الطفل، وتشمل زوجة الأب التي يجد لها شبيها في صورة نائب رئيس العمال ليو (سليط اللسان)، عندما يشمّ من فمه الرائحة الكريهة. تمتد البساطة لتشمل تشكيل العمل أيضا فالزمان يقف ثابتا لا يكاد يتحرك إلا عند أيام معدودة في حياة هذا الصبي، لا تزيد عن الشهر، دون تداخلات زمنية، أو حتى وقفات يفصح بها عن التاريخ الشخصي للبطل- وإن كانت ثمة ذكرى عابرة- وهو ما انعكس على السرد، فجاء تقليديّا يعتمد على راو عليم يحرك الشخصيات ويسرد عنها، ويكثر من الوصف الذي طغى وهو ما أخذ الرواية إلى رومانسية شفيفة حالمة تجسدت في علاقة جويتزه والشاب البناء. ما بين البساطة المهيمنة على العمل، ورأي النقاد الذين يرون أنها من أفضل أعمال مويان على الإطلاق كما جاء في غلاف الرواية، حيث «تتمتع ببراءة السرد والصدق في تصوير العالم المحيط بالكاتب» تقع الإشكالية! التمرد على القبح المتأمل لصورة البطل مجهول الاسم والذي يصفه السارد على طول خط الرواية بالصبي الأسمر، ثم عند نائب رئيس العمال ليو، القرد أو عفريت صغير، والذي «يظل عاري الجسد وقت البرد» يكتشف أن هذا البطل سلبي وإن كان أفضل توصيف له بمصطلح غولدمان “إشكالي”، فعلى الرغم من الصورة التي يصدرها للجميع بصمته أنه ضدّ، إلا أن إشكاليته تظهر في تعرية هذا الواقع الذي خرج منه، مجسدا لصورة من صور القهر التي عايشها إنسان الريف مع بداية الثورة الثقافية. صورة الصبي رمز لحالات متعددة، تعرض لها الكاتب أثناء تتبعه مسيرة بطله المهزوم، الذي هو أشبه بسيزيف حاملا صخرة عذابه أينما حل في عمل، فجسده لا يتناسب مع الأعمال التي قام بها، ومع هذا لا يرضخ ويترك العمل، بل يقاوم ويتشبث، الغريب أنه لا يعبر عن أسباب الإصرار لحاجته إلى العمل. يجسد مو يان حالة العوز التي يواجهها الصبي بالعمل غير المتناسب مع عمره، فهذا البطل الصامت (لاحظ أنه لم ينبس بكلمة، حتى اسمه عندما سألته فتاة تكسير الأحجار جيوتزه عنه لم يجبها) يواجه ظلم العالم له بالصمت. لا يقف الظلم عند ظلم زوجة أبيه له التي تضربه، وتأمره بأن يذهب لشراء النبيذ لها، أو حتى حالة الاحتقار التي يُقابله بها رئيس العمَّال، وكذلك نائبه ليو والأخير يتمادى في السُّخرية منه طول لقائه به، ثمّ الشّاب مُساعد الحدّاد الذي يحتقره، ثمّ يستغله في سرقة البطاطا ورؤوس الفجل، بل تصل إلى تعريته عندما يُقبض عليه أثناء سرقة رؤوس الفجل، فيجرّده رئيس العمال من ملابسه (سترته الجديدة وحذائه الجديد، وسرواله)، ويتركه عاريا. هنا تزادد نقمته من هذا العالم الذي يتفنن في ظُلمه منذ أن تركهم الأب وفرّ هاربا، فلم يعد يكفيه ما تعرض له إصبعه من «ضربات الفأس»، حتى أن ظفره «يتهشم ويسقط دون مبالاة بألم»، أو ما صار إليه مع الحدّاد حيث تحوَّل «إلى قطعةِ من الفحم»، فبعد ما فعله رئيس العمّال كان يغطي عورته من شدة الخجل، رويدا رويدا يتمرد على قبح هذا العالم، وأكذوبة الاشتراكية التي جاءت بها ثورة ماو تسي تونغ الثقافية، فسحب يديه عنها، وصار عاريا كما ولدته أمه، وهو المنظر الذي استفز الحارس الشيخ فـ«راح يبكي دونما صوت». مو يان كان أشبه بمن يُعري هذه الثورة وشعاراتها التي لم ير صدى لها على بني جلدته في صورة الصبي، لكن نقطة الأمل التي لعب عليها المؤلف في قهر هذا الظلم الواقع على الجميع في إشكالية الصبي الذي واجه العالم كله بسخرية، انتهت بترك عورته عارية، ثم علاقة الحب التي نمت جذورها في تلك الأجواء القاسية بين الفتاة جويتزه عاملة تكسير الأحجار والبنّاء الشّاب، وكأنها رسالة بأنه لا بديل إلا بالمقاومة، وبعد معركة الشّاب البنّاء مع الحدّاد، اختفى الاثنان، وقد خيّم على المكان صمت رهيب، في تأكيد لمعنى التمرد المبطن. من الأشياء التي أكسبت النص زخما وعمقا، رغم خلوه من التشكيلات الجمالية هو وسائل المقاومة التي ارتكز عليها النص في مقاومة قبح العالم وشراسته. الجدير بالذكر أن المترجم سعى إلى تمصير الحوار العامي، ليكون مقرّبا من القارئ، ومع حالة التقريب التي سعى إليها إلا أنه وقع في مزالق الكتابة بالعامية حيث الأخطاء الإملائية كثيرة، والتعبيرات الغريبة لمن يجهل العامية المصرية.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

هذه الرواية «الصبي سارق الفجل» لم يدرك أحدٌ حتى الروائي نفسه، أنها هي من سيفتح له الطريق إلى عالم الأدب. رواية تنهل من عالم الريف الصيني، وتجسده إبان تلك الفترة من حياة وتفاصيل القرويين الصينيين في مرحلة الستينيات، وقراهم التي ينتمي إليها حائز جائزة نوبل، الروائي الصيني مو يان لعام 2012. يمكن اعتبار هذه الرواية، وهي من نوع نوفيلا، جزءاً من سيرته ويومياته وشؤونه الصغيرة، يوم كان يعمل الروائي وهو فتى في أعمال يدوية شتى، وهو القروي المندفع إلى عالم الجموع وهي تؤدي أدوارها اليومية من أيام الثورة الثقافية ورائدها الشيوعي ماوتسي تونغ. لكن رواية «الصبي سارق الفجل» تسجل المعاناة الحقيقية للعمال والاجراء والمستخدمين في يومياتهم وهم يعملون ويَشْقَون ويكدِّون، في تلك القرى الصغيرة والنائية، مكتفين بقوت يومهم، وبأجرهم الزهيد وحياة المشقة، تلك التي كان عليهم أن يخوضوها بكل تجلياتها ومصاعبها من أجل أن يبقى الرمق على قيد الحياة. تكاد رواية «الصبي سارق الفجل» أنْ تلمّ بكل الأحداث التي مرّ بها الروائي وهو صبيّ، يعمل في مجالات عدّة في مسقط رأسه بريف شاندونغ، كاشفاً كل صغيرة وكبيرة هناك، في عالم صغير يتحرك فيه شخوص عاديون، مسرحه الريف وشخوصه أرباب العمل والمراقبون والعمال. لم يطلع الشاب الموهوب في تلك الفترة، مو يان، خلال سني حياته الكتابية على النظريات الأدبية ونماذجها الحديثة وطرقها وأساليبها المصبوبة بقوالب بنيوية، ورؤية متجددة، بل كان يسعى إلى تقعيد النظرية، وعبور أنسقة النمذجة والأسلبة إلى عالمه هو، عالم الفقر والوحدة والتهميش وإلغاء الدور الإنساني للذات، ليكتب روايته الواقعية هذه، رواية معجونة بالتراب والأنفاس والجذور وهواء الريف الصيني وماء ينابيعه الصافي. أجل لقد كتب مو يان رواية الأدب الصافي، غير الخاضع لرؤية ونظرية ونهج أدب الواقعية الاشتراكية آنذاك، فهو كتب نفسه وعالمه بصيغته البريئة التي لا تعرف النظريات أو تعترف بها كأسلوب ينبغي أن يحتذى، ويسير عليه ليصل إلى ما يريدون هم، بل كتب سياقه وانفعالاته هو، مُجسّداً صيغ الكتابة الداخلية التي تنهل من التجربة، وتُفيد من عالم الجوانيات، دون أن تغفل عالمها وما يدور حوله من أحداث جسام، تتلخص في سياقي الملهاة والمأساة والرؤى والمشاهد العيانية التي تحدث له ولغيره، في الوتيرة ذاتها من حياتهم اليومية، ومصائبهم التي كانت تتأتى من القوى العليا والمتحكمة في مصير بلد كبير مثل الصين الذي تجاوز عدد نفوسه المليار نسَمَة. وفق هكذا مقام وسياق وسبيل، وبعد أن كتب الروائي الصيني مو يان رائعته «الذرة الرفيعة الحمراء» وقدم أكثر من عمل يشار له بالرفعة والاكتمال الفني والجمالي وحصل على أرفع جائزة عالمية، بعد كل هذا سيكون بالتأكيد عدد قرّائه بالملايين. إذاً بفضل أفق ومدار وفضاء «الصبي سارق الفجل» صار مو يان له العدد الهائل من القراء، كونه في البدء عرف نفسه، وعرف الطريق الذي سوف يوصله إلى العالمية، وهو الانطلاق من محليته، ومكانه وأرضه لرسم ملامحها، لكيما تكون هذه الملامح الفنية جديرة أن تُقرأ عالمياً. تدور أحداث رواية «الصبي سارق الفجل» لاحظ العنوان كم هو بسيط ولافت في آنٍ، في الريف الصيني، بمقاطعة شادونغ، أثناء عمل يُقام قرب سدّ يحبس مياه الفيضانات، وهناك يتم البناء والعمل، وحولها تمتد مزارع الجوت والبطاطا والفجل وغيرها، والماء هو المسقى والمورد لكل تلك المزارع، مكان العمل يجري عند «الهويس» أي عند السد والجسر، وثمة ورشة عمل هناك تتكوّن من بنّائين وحدّادين وعمال ومراقبي عمل، والصبي الأسمر الذي تدور حوله الرواية، وهو فتى صغير، يسهم في عمل البناء والحدادة وغيرهما من شؤون العمل اليومية. إلى جانب هؤلاء يقف رئيس العمل ونائبه ليو القاسي، الذي يحاسب على الصغيرة والكبيرة، ولا يتورّع عن شتم الصبي، دون أن يحسّ أنه في عالم الاشتراكية، الشيوعية التي تساوي بين البشر، دون تمييز في اللون والعرق، فالصبي الأسمر جاء من حيّ فقير ومتحدّر من عائلة فقيرة، يتيم الأم، وواقع في أتون زوجة أبيه ومعاملتها الصعبة والقاسية له، في ظل غياب الأب في مكان آخر منذ أمد، يمتد لثلاث سنوات، حتى يقع الصبي أسير هذه المرأة الشرّيرة والسكيرة التي تشرب النبيذ وتبدأ في ضربه وعضّه وقرصه وشتمه ودفعه للعمل، لذا يجد الصبي الأسمر في نائب رئيس العمل، شبيهاً ونظيراً لزوجة أبيه، فهو أيضاً حين اقترب منه ورفعه عن الأرض وهو كائن ضعيف وصغير، شم الرائحة الكريهة التي تفوح من فم النائب فذكرته بتلك الرائحة إياها التي كان يشمّها من زوجة أبيه المربّية القاسية . يحفل مكان العمل أيضاً بفتيات صينيات، يعملن في المزارع التي هي جزء من مكان عمله ومن «الهويس» ذاته. ثمة البنّاء الشاب الذي سيقف دائماً إلى جانب الصبي الأسمر مدافعاً عنه وحاميه ورادّاً عنه الأذى الذي قد يلحقه به ليو النائب أو العمل الشاق نفسه مع الحدادين والبنائين. إلى جانب هؤلاء، تظهر جويتزه، الفتاة ذات الشال الأحمر الأرجواني، تُداري الصبي الصامت الذي لا يتكلم، تحاول أن تواسيه وتسأله لماذا هو صامت هو طوال الوقت ولا يتكلم، خلال ذلك تجذبه إليها حال رؤيتها لظهره المصاب بالكدمات، فتحاول ان تستنطقه عن سبب تلك الجروح هل هو مضروب من أحد ما، أم أنه معضوض من كلب أم مجروح وهو الفتى من تسلق شجرة؟ في عمل آخر يُكلف به، وهو تكسير الحجر مع نساء عاملات في المكان ذاته، يتعرض الصبي إلى ضربة أثناء قيامه بواجبه، فتتهشّم أظفاره، حتى تسيل الدماء من أصابعه، فتلحظ ذلك جويتزه، فتهب لإسعاف يد الصبي، حيث تسارع إلى لفّها بمنديل مطرز بالأزهار، موجود لديها، قبل أن يأتي نائب العمل على دراجته الهوائية لينهي يوم عمل طويل. بعد ذلك العمل سيوكل للصبي عمل مختلف، هو مساعدة الحداد، بعد تعرّضه لكدمات من ضربات الفأس. هنا سيتحول الصبي، جرّاء هذا العمل، إلى قطعة من الفحم بالإضافة إلى شكله ولونه الأسمر بالأساس، وهنا ستتعدّد مشاغله، مثل الضرب على السندان، والنفخ في المنفاخ الذي أجهده وأسال الدم من فمه، كل ذلك كانت جويتزه تراه وتراقبه وتُسعفه في أغلب الحالات. على لسان الراوي، تتم كل فصول هذه الرواية القصيرة، ومن ثم تتنوع، لتكون على لسان شخصياتها، كاسرة الرتابة التي سُلِكتْ واتبعتْ على لسان الراوي، فالراوي تارة يصف المكان والشخوص والطبيعة، كوصفه هنا لطبيعة المكان ومُناخه «في مساء تلك الليلة، تعرض موقع العمل فجأة لموجة من الأمطار الرعدية، وعنما حان وقت بدء العمل في صباح اليوم التالي، انتبه العمال إلى كومة الأحجار في موقع العمل وقد غسلتها مياه الأمطار، كما بدا الطريق نظيفاً، وزادت كميات مياه الخزان أسفل الهويس، وانعكست بقايا غيوم على صفحة المياه الزرقاء». تتحول الرواية تارة، وعبر تدخِّل من المترجم في محاولة لإيصال المكان الريفي وعوالمه إلى صيغته الفطرية الأولى، صيغة الناس الطيبين ولغتهم الشعبية وفق حواراتهم الفولكلورية، ومن ثم تمصير اللغة، وجعلها لغة غيطان وفلاحين وعمال، وهو اجتهاد من مترجم ناجح من الصينية إلى العربية، وقد نقل المترجم باقتدار ملحوظ إلى العربية رواية «الذرة الرفيعة الحمراء» التي نال عليها الروائي الصيني مو يان، بحسب النقاد ورأي العديد من الخبراء الأدبيين ومحرري الشؤون الأدبية «جائزة نوبل»، وهي الجائزة الأدبية الأولى في العالم. إن تمصير الحوارات الميلودرامية بين الشخصيات التي برزت في الرواية، يحمل كما أسلفنا دلالته الفنية والنفسية، ويعكس براعة ورؤية المترجم الجمالية، في هكذا نص بعيد عن العربية وأجوائها الخاصة. تحفل الرواية باستخدام مفردات شعبية، منتزعة من اللهجة المصرية، داخل النص الفصيح بالعربية، لقد غَمَضَتْ عليّ بعض هذه المفردات، حتى اتصلت بصديق مصري لكي يوضّح لي معناها مثل «الهويس» و «الشنيو» وغيرهما من المفردات العامية المصرية، هذا ناهيك عن ورود بعض الاستخدام للمفردات بصيغة الخطأ، مصحوبة ببعض الأخطاء اللغوية والإملائية. لكن هذه الأخطاء بالتأكيد لا تقلل من أهمية الرواية وسلاستها، وبريقها الواضح، لترجمة نُقِلت من الصينية إلى العربية دون وسيط.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0