عن أسامة جمعة الأشقر

·       مواليد 1970م ·       بكالوريوس لغة عربية – بتقدير امتياز ·       ماجستير لغة عربية – جامعة الخرطوم ·        دكتوراه الفلسفة في اللغة العربية – جامعة الخرطوم ·     &nbs..

كتب أخرى لـِ أسامة جمعة الأشقر


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb


  • الزوار (679)
  • المراجعات (1)
ترتيب بواسطة :

أيُّ عالمٍ غرائبي.! "مدافن الموت" (*)

عدنان كنفاني

أمام هذا العنوان الإشكالي، وقفتُ متسائلاً: مدافن الموت..! وهل للموتى غير المدافن.؟ مدافنٌ وموت.. للوهلة الأولى تهيأ لي، من خلال هذا العنوان، أن للمدافن مهمّة أخرى، وأراد الكاتب أن يحدد لنا بأن "مدافنه" للموت، وليس لأيّ غاية أخرى، فداهمني سؤال آخر: هل يمكن أن يكون للموتى غير المدافن تواري سوءاتهم.؟ وأي المدافن هي المدافن.؟ وأي الأموات هم الموتى.؟ لأنحّي كلّ ذلك جانباً، وأدخل في مجريات السرد الروائي علّني أفكك هذا الإشكال. كما يبدأنا حلمٌ مدهش غريب، داهمتني مجريات أحداث وشخوص وأماكن "غرائبية"، لم أتصوّر أن في هذا الكوكب مثيلاً لما صادمني، وصدمني.. ثم أدهشني. رحلة بدأت على طائرة من الخردة، تشبه "باصات" القرى البدائية، جاء وصفها مرعباً عندما تتشكّل في مخيلاتنا للحظة أن نمرّ في حالة مماثلة، أو في أن نرافق "عارف" الصحفي، أو المصوّر الصحفي، أو المراسل الحربي، أو المشرف على الرحلة.! في رحلته العجائبية إلى "جوبا" عاصمة جنوب السودان، في ولاية بحر الغزال.. نعم هي السودان، فهل نعرف عنه أكثر مما نعرف.؟ ما أن طويت بعض صفحات، حتى أحسست بغربةٍ ذابحة. هل أدّعي أنني عربي، وأنا أكتشف، في مسار الرواية، أنني لا أعرف من هذا القطر العربيّ غير اسمه.! هذا الذي أقرأ لا يمت لعالمنا بصلة، أو أن عالمنا، في مواجهة ذلك الواقع، هو عالم خيالي متخيّل لا يمكن بأيّ حال أن يصل إلى معرفة، أو التعرّف على ناس وطقوس تلك المناطق، "الرعاة، والسحرة، والصيادون.. ومجاهل الأدغال، ولون البشرة، واللهجات العجيبة، والطب، والطعام، والأشجار الغرائبية، ومفردات غريبة عن معاجم معرفتنا.! هل أصدّق ما أقرأ، أم أن خيال الكاتب متخمٌ بترف التصوير، ليأتينا بصور رأيتها معجونة بحلم، يتدفق تارة عذباً، ثم يصدمنا بمشاهد رعب تفوّقت على ما جاء به "الفريد هتشكوك" في أفلامه المثيرة. وكل ذلك حمله الكاتب بمقدرة على لغة شممت من خلالها روائح زهير والأخطل وبشّار.. أحداث متلاحقة، لا تقف إلا لتصوّر "بإسهاب" تضاريس البيئة، وناسها، وعاداتهم، وسلوكهم، وألوانهم، ولهجاتهم، وكل ما يحيط بحيواتهم وحاجاتهم ومراميهم. حاول الكاتب، من خلال فصول الرواية أن يقطع مسار الحدث لينتقل إلى حدث آخر، أو إلى مكان آخر، فتباينت المقاطع بين قصير، وطويل. السقوط.. وفي هذا المقطع يعرّفنا الكاتب مسبقاً، من عنوان المقطع، إلى أين ستصل الرحلة في طائرة عملاقة صفائحها من خردة عتيقة، مكتظّة بأحمال بشر وحيوانات ومتاع، في رحلة عجيبة من الخرطوم إلى "جوبا" لم تحتمل رجفات المطبّات، تتمايل بقوّة، وتسقط.. "وفي هذا العنوان ما يحسب على الكاتب، وليس له".. ينجو عارف بأعجوبة، لتبدأ الرواية.. مفتتحها.. "القيامة"، وأرى أن الكاتب وُفِقَ في اختيار هذا العنوان لهذا المقطع، فصل طويل نسبياً، متخمٌ بمقاطع وصفية تفصيلية، لو لم تكن في وصف ما وصف، وفي تفصيل ما فصّل، في ذلك المكان وتلك البيئة، لكانت مسهبة مملّة وطويلة، لكنني، ولأنني لا أعلم، وأرغب في أن أعلم، ولأنني خضت مع الكاتب من حيث لا أدري في ذلك العالم الغرائبي المثير، وجدتها وافية، تعرّفني على الساحات التي اعتمرت بالحدث، بل بالأحداث. وقد أتقن الكاتب طرائق إخراجي من حالة التخيّل، إلى حالة أخرى صادمة، ومثيرة في آن، تشبه صعقات "الأكشن" وقصص التجسس الخيالية، والمقاومة، والعصابات، ودخول الآخر، ذلك الذي نرى له شبيهاً في مشهد صراعنا مع المشروع الصهيوني، وأذرعه الأخطبوطية، في مفردات ذلك "السودان" البِكر، من خلال القبض على "شتاينر" وطائرة تحمل أسلحة، وبراميل محكمة الإغلاق.! نكتشف بسهولة أن الكاتب، من خلال "عارف" تقصّد أن يتيح لنا فرصاً لفهم وتفهّم موقفه الديني بصرامة، من خلال إشارات لا تغيب عن فطنة القارئ، ولا غبار في ذلك، ما دام يمرّ أيضاً بحيادية على مواقف الآخرين من مسألة المعتقدات التي نكتشفها بدهشة وغرابة في سلوك شخوص في الرواية. الزمن الروائي "كما أعتقد" كان في أواخر القرن المنصرم، القرن الذي تميّز بتسارع الاختراعات، وظهور التقنيات متعددة الأشكال والإفرازات، وشبكة الاتصالات والمعلوماتية العالمية المذهلة، وعلى الرغم من ذلك، يعرّفنا الكاتب على أقوام وأرض وبيئة، تعيدنا، ونحن في مسار القراءة، إلى تهويمات العصر الحجري، والبدائي. ونحن نمضي في ذلك العالم الغرائبي، تستوقفنا مفردات، وبعض مفاصل تعود بنا إلى واقع لا يوغل فينا غرابة، فنعايش الأحداث، نتفاعل معها، ونتابع.. نتابع كي نصل إلى المفهوم الذي حرّض الكاتب على اختيار عنوانه الإشكالي "مدافن الموت". وحتى نهاية مقطع "القيامة" كانت الأحداث تجري بطيئة، وتقريرية تقارب مسارات أدب الرحلات على شكل ما، ثم يبدأ تدفق المعلومات بتسارع يرفع من إيقاع السرد، "ضجّة في الخرطوم.. في المشروع الصيني.. إلى الخرطوم".. وفي الخرطوم، على تراكيب أحداث لم تكن مقنعة تماماً، فقد أسقط الكاتب، ربما عن عمد.! الخوض في التداعيات والتراكيب التي أوصلت البطل "عارف" وهو صحفي، ومُقحم في مهمة على درجة عالية من الخطورة والحساسية، ليصبح موضع ثقّة النخب الحاكمة، بل ومن رأس هرم تلكم النخب، ليطّلع ويصبح فاعلاً، بل وأساسياً في مسألة التحقيق، ونقل المدعو "شتاينر" ومنقولاته، "الأسلحة والبراميل وووو"، ودقّة وحساسية المهمات التي يقوم بتنفيذها في تلك البلاد العجيبة، ولحساب من.! ويصل التسارع أقصى مداه في الصفحة 149 إذ يقول الرائد "مبارك" ملخّصاً المسألة لبطل الرواية "عارف": (إن العينة التي أحضرتموها من الأدغال هي لنفايات نووية مطمورة في تلك الناحية).. (إن ذلك كان صفقة بين الإسرائيليين وإحدى مجموعات حركة التمرّد التي لا تعرف خطورة هذه النفايات).. صحيح إن الكاتب وشى إلينا منذ تحدث بغموض عن "براميل محكمة الإغلاق" بأنها نفايات نووية، لكنه في هذه الصفحة، وبالتسارع، جاء بالبيان.. وكذلك على الصفحة نفسها، وفي المقطع نفسه من حديث الرائد مبارك حيث يقول: (أما شتاينر فهو مرتزق ألماني الأصل يحمل الجنسية الإسرائيلية، وهو تاجر سلاح).. يحاول الكاتب في "بدايات ونهايات" أن يلم الخيوط التي امتدّت في النص، يحاول أن يعود إلى البدايات ليخلص إلى النهاية، لكنه يوقعنا أكثر في فضاء غيبيات لم نستطع أن نجد لها نهاية.. فقد (اختفى شتاينر بين اللاعبين الكبار)، ومات عارف الذي (بات يعرف أكثر مما يجب) وهو حيّ، وضمّ التابوت حكاية لم تنته بعد.. هل هو جسد شتاينر.؟ أم هو جسد عارف الذي قد يعود، وربما لن يعود.! ولو كانت في تلك النهاية، نهاية للرواية، فهي مشكلة، قد يبدو من خلال هذه النهاية المفتوحة على مصارع كثيرة، أن الكاتب عجز عن حسم النهاية على شكل ما، يجب أن يكون مقنعاً.. أما إذا كانت النهاية فتحاً لرواية أخرى متمّمة فلا بأس، ولكن من المفترض أن تحظى بالتنويه.. هو العنوان الإشكالي، الذي لم يعد إشكالياً بعد أن أدركنا أن المدافن قد تحتوي على فعل الموت، وأن النفايات النووية التي تدخل في أنفاق المدافن، هي الموت، وفي المقابل فإن التابوت المفترض أن يكون سكناً للأموات، يمكن أن يصبح وسيلة لتجديد حياة. أستطيع بثقة أن أقول إن الرواية بالشكل العام هي رواية لغة بامتياز، ولو قلت إن كثافة وثقل اللغة في مسار السرد لا تحسب للكاتب، أكون أسرفت في ظلم اللغة، وهي "في هذه الرواية"، لغة باذخة، وجميلة، لكنها ثقيلة، وقد نحتاج لفهم بعض مفردات، الرجوع إلى معاجم التفسير، ولأننا نكتب للناس، في هذا العصر، من المفترض أن نراعي هذا الجانب من خلال اختيار مفردات سهلّة ومعبّرة وواضحة لا تكون عبئاً على القارئ، ولا سبباً في عزوفه. وقد وجدت بعض أحداث، أو لنقل بعض مشاهدات في أمكنة لا يمكن أن تفتح مجالاً أمام الراوي "عارف" مهما كان ضئيلاً، للخروج بأي شكل من الأشكال من سطوة موقف غاية في الألم والقلق والترقّب، في الوقت الذي كانت فيه الطائرة تتهاوى من شاهق، ولنا أن نتصوّر حال الناس فيها، والرعب والخوف وانتظار مصير أقل ما يقال فيه موت محقق، ثم يلتفت "عارف"، ويخرج من تلك الحالة الطاغية، لمتابعة مشاهد أخرى، ووصف آخر "بعضه جمالي" لما يرى، وكأن الحدث المقبل لا يعنيه من قريب أو من بعيد. صفحة 29/30 وللحقيقة أقول: أصل في قراءاتي لبعض الروايات، إلى درجة الشعور باليأس بسبب هبوط مرعب لمستوى الرواية عربياً، لكنني، وعندما أقع على رواية كهذه، يتجدد الأمل في نفسي، وأقول: نحن، ما زلنا بخير..

ـ ـ ـ

(*) "مدافن الموت"، الرواية الأولى للأديب الدكتور أسامة الأشقر، 2011 صادرة عن "مؤسسة فلسطين للثقافة" "160" صفحة من القطع متوسط كبير.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0