عن عبدالله خليفة

كاتب وروائي من البحرين..

عن عبدالله خليفة

كاتب وروائي من البحرين..

كتب أخرى لـِ عبدالله خليفة


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

عنترة يعود الى الجزيرة (269 صفحة)

عن: مؤسسة الإنتشار العربي (2011)

رقم الايداع : 9786144042090
الطبعة : 1
التصنيفات : فنون

ما أن تشرع بقراءة رواية "عنترة يعود الى الجزيرة" حتى يطالعك منظر الصحراء وهي تصحو على الفجر. هي البلدة الراقدة قرب الشواطئ ذات البيوت الصغيرة المتصلاصقة المسماة (سبخة) التي غزاها الغرباء على عيون أبناء القبيلة. "خيرة الفرسان اختطفوا من بين ضلوعهم وقلوبهم، وهجمت عليهم بضع قبائل صغيرة وضيعة متحالفة كانت تحيا بفضل دفاعاتهم عنها وهداياهم لها في أزمنة العوز والجذب، وسبوا النساء وقتلوا الأطفال وأحرقوا مزارع بشهية تدمير مخيفة!..". يتخذ الروائي من شخصية عنترة البطولية مادة للتعبير عن ذلك التلاحم والترابط الذي يبلغ أشده في الدفاع عن الهوية، فثمة إيحاء معتقدي واجتماعي وسياسي لهذه الشخصية التي اختارها عنواناً لروايته وأناط البطولة فيها الى (هلال العبسي) الذي يدخل السجن عقاباً على شجاعته "أدخلوه في كهف عميق، ليس ثمة جس ولا أمس، قال له ضابط السجن: - الأفضل لك أن تستسلم منذ الآن، فلم يسبق لأحد أن خرج حياً وهو معاند...". ما يميز العمل أنه يسلط الضوء على علاقات انسانية تشكل جزءاً من تاريخ مجتمعات الجزيرة العربية والخليج العربي في الماضي والحاضر في حراكه اليومي: إذ تؤرخ الرواية لحدث واقعي بأسلوب رمزي يضفي على البيئة المحلية نكهتها الخاصة.. وكأن الروائي يلفت الى غزو الأغراب في عصرنا الراهن لهذه المنطقة، تحت ستار شعارات ومصطلحات حديثة، ولكن جوهرها، هو السيطرة والهيمنة على جميع المستويات: السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى المعتقدات التي تشكل جزءاً من الهوية العربية.


  • الزوار (157)
  • المراجعات (1)
ترتيب بواسطة :

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الرواية الخليجية لم تتجذر في الأرض بعد يقول الروائي البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة في ما يشبه الدفاع عن روايته الجديدة «عنترة يعود إلى الجزيرة»: «لم تكن تعنيني حكاية النفط على رغم أهمية تجربة منيف». إنه دفاع أمام المقولات التي تختصر الرواية في هذا المنحى، أي في تشابكها مع رواية عبدالرحمن منيف «مدن الملح». ويسلط خليفة الضوء على هواجسه الفنية والموضوعية فيها، وما مدى ما حققه فيها من اختراقات فنية مقارنة برواياته السابقة. خليفة يرى في صنيع منيف تجربة سياسية «تسجل واقعاً تاريخياً حقيقياً معتمدة على الشواهد والسجلات، ولهذا تجد في الكثير من روايات منيف ملفاً كبيراً. سباق المسافات الطويلة: سجل الاستخبارات الأميركية في إيران، ومدن الملح: وثائق النفط والمكتشفين والساسة. هي طريقة تسجيل حقبة، ببعض شخوصها وأحداثها الجوهرية، وليس خلق شخصيات وحبكة جديدة». في ما يخص عبـــــــدالله خلــــــــيفة وفي شكلٍ مغاير عما لدى صاحب «الأشجار واغتيال مرزوق»، يلعبُ الخيالُ الفني هنا دوراً محورياً للتوجه إلى كلية الواقع، وليس، كما يوضح، إلى عرض جانبه السياسي الاقتصادي المتشابك، «ولهذا فمسائل مثل التراث هنا جوهرية، أي قراءة طبيعة الشعب - الأمة والبطولة والأجيال وغيرها من المسائل المحورية التي تغدو هي صلب الرواية، بأي شكل جاءت الثروة المادية». في رواية خليفة بروز لما يتجاوز القبيلة، «وهو الوعي التحديثي الذي يصعد من الأسرة، ينخلها ويصارعها وتنمو به وتغير نفسها وواقعها من خلاله». يهتم الكاتب البحريني أكثر بالجوانب الروحية والنفسية والإشكاليات الكبرى، مبتعداً عن منيف، الذي كرّس، في رأيه، مجلدات عن أحوال اجتماعية ضرورية لبناء الرواية العربية، لهذا ترى المجلدات الكبيرة لم تصل للصراعات الفكرية الروحية وحين وصلت كانت إمكانات التعميم الروائي قليلة والتحليل الفلسفي محدودة، على رغم أهميتها. بيد أن إعطاء البطولة للشعب، في تصور صاحب «رأس الحسين» هو غير إعطاء البطولة للنُخب والكائنات، التي تخرج من عفوية المسار الروائي المرحلي، «فهي لا تتنمذج في البناء الروائي. في حين أن مثل هذه الشخصيات المجهولة تصوغُ تاريخاً غائراً في حياة الناس، ملتحمة برمزية الأمة، في مسارات الواقع كافة بين الشخوص، ويجعلها ذلك تصنع تاريخها الفردي المختلف. بناءً على هذا، فإن كينونة كل شخصية ومساراتها تختلف نظراً إلى طبيعة النماذج، وإذا كانت البطولة تُغني فإن الوضاعةَ تفقر، والأسلوب يحصل على ثمار العلاقة بالواقع الملون». إذاً، لا تتغنى رواية عبـــــــدالله خلــــــــيفة ، الذي يعد من رواد الرواية في الخليج وأحد أبرز كتابها، بزمن القبيلة ولا تحاول استعادته، إنما هي معنية بدرجة أساسية بزمن الحرية وزمن ازدهار القيم، «وهو على رغم كونه زمناً متخيّلاً، لكنه تاريخي واقعي كذلك، عبر هذه الإمكانات التي تتيحها تحولات تاريخية وعواصف اجتماعية، مثله مثل تاريخ الأمة، منقطع ومتصل، ولهذا فإن القيم المسحوقة هي ذاتها المتغنى بها». يبدو هلال العبسي، الشخصية الرئيسة في الرواية، حتى في نظر ابنه المثقف والأكاديمي أشبه بأسطورة، كائن عجيب في أفعاله ومسلكه، فهو يقاوم السجن وينجح في الهروب منه، غير أن هذه الشخصية التي تقارب الأسطورة، تشعر بتآمر العالم كله عليها، يظهر هلال أحياناً وكأنه رمز لكل ما تم فقدانه وتلاشى، «كونه شخصية محورية لا يسلب الشخصيات الأخرى تكونها، هو في زمن صياغة الحرية. وقد ساهم في جذورها وقيمها»، يقول صاحب «التماثيل» ويضيف: «لهذا فنظرةُ ابنه إليه تعود لكون هذا الابن هو الذي يصوغ نظرته الخاصة بين ظرف استلابه وظرف صياغة حريته. المواد العلمية المؤدلجة عنده والبحث الموضوعي والمغامرة والشجاعة تؤثر في مساره المختلف. من هنا، تحمّل هلال العبسي ثمن شجاعته وثمن حرية نورة العائلة، وحتى في السجن راح يحفر لحرية الأجيال السابقة التي ضاعت أعمارها. أليس هو نتاج تلك القيم؟». تحفل رواية«عنتر يعود إلى الجزيرة» بحضور لمظاهر التشدد الديني، من تكفير ومحاكمات، في المقابل تحضر أيضاً السلطة التي تستعمل كل ما يمكن استعماله، من قضاء ومؤسسات، لسحق من يقاوم، أي أننا إزاء قضايا راهنة يعانيها مجتمع الجزيرة، ولا تزال تلقي بظلالها على المشهد كله. ويرى عبـــــــدالله خلــــــــيفة أن الواقع الروائي لا يلتفت إلى هذا الجانب، فهنا قوى سكانية «خرقت المسار التاريخي، ولهذا فإن فاعليات الشخوص الجيدة أو السيئة، التضحوية أو الأنانية، هي التي تبرز، ربما يظهر الشكل الديني كحيلة. وما يبرز بقوة هو صراع البطولة والضعة. لدينا عنترة شعبي حلمي ولدينا فراغ بطولي رسمي». من هنا، ينظر خليفة إلى الأجيال الجديدة بصفتها ولّادة للبطولة، «لهذا، فالأشكال العتيقة من القهر لم تعد فاعلة». إذا كان الكاتب صاحب رؤية فلا بد من أن يمر بتجارب مروِّعة لكي يؤسس رؤيته، يقول صاحب«الينابيع» ويؤكد أنها ضرائب باهظة لاكتشافاته، «إن الأعمال حصيلة لعمره، إذا لم تكن ذاتية متطرفة، والشخصيات والأحداث والأبنية الفنية هي كلها جزء منه ومن واقعه وتراكمات ما هو مضيء وتكون بعسر». موضوع الرواية في الخليج موضوع كبير، في رأي عبـــــــدالله خلــــــــيفة، الذي سبق أن نشر دراستين عن هذه الرواية: الرواية بين الكويت والإمارات، والرواية الخليجية بين التبلور والتفكك. في هاتين الدراستين يمسح التجارب خلال العقود الأولى منذ الستينات. ويطرح أسباباً عدة «تجعل الرواية نوعاً لم يتجذر في الأرض بعدُ». ومن هذه الأسباب: ضعف الفئات الوسطى والبيئة الحاضنة للحداثة، وضعف حضور المنتجين، وبدائية الوعي، والهزال الأدبي للصحافة وغيرها. لهذا، فإن اتصال الرواية الخليجية بالجذور العميقة للواقع لا تزال في تصوره، في حاجة إلى وقت موضوعي. ويشير إلى أن تحديات الرواية في الخليج تكمن «في تحليل الواقع بجرأة وتعرية التناقضات الاجتماعية العميقة، ومنع العربة الخليجية من الانزلاق نحو الهاوية». يلفت الروائي والباحث البحريني، الذي أصدر عدداً من الروايات ونشر عشرات المقالات في مواضيع وشؤون فكرية وثقافية وسياسية، إلى أن جيل الكتابة الروائية في الخليج لم يظهر سوى بعد إنجاز الثورات الوطنية في النصف الثاني من القرن العشرين، «من هنا، فإن معظم نتاجاته الروائية متجهة لقضايا اجتماعية تنموية، وقضايا التعسف الحكومي الوطني وجسد اختلاف الرؤى في طرق التنمية والتعبير عن معاناة النماذج الشعبية المسحوقة غالباً». ويوضح صاحب«ذهب مع النفط» أن الرؤية الكلية لقضية الثورة الوطنية، تغدو مسألة صعبة في رواية متأخرة في النشأة، «ولأجيال إبداعية جثمت طويلاً في جنس القصة القصيرة، وهي غير قادرة إلا في شكل نادر بالقيام بعمليات التعميمات الفنية الروائية، من حيث عمق المجاز، والقدرة على نمذجة الشخوص والأحداث، ورؤية المراحل التاريخية بشفافية ترميزية. لهذا، فإنها تجثم في الاجتماعي الآني، العابر، وتتوجه في معالجاتها النادرة لمسائل الثورة الوطنية إلى الرومانسية الوطنية، أو التسجيلية الفوتوغرافية للتاريخ». إن الآني العابر يُنظر له، كما يقول خليفة، كحلقةٍ منقطعة عن السيرورة التاريخية،«لهذا، يُقحم الأيديولوجي التبشيري أو الانعكاسي، فإما تغدو الرواية هتافاً وطنياً حماسياً مجلجلاً بالوطن والعروبة والإسلام والقادة، وإما أن تغدو تسجيلاً نقدياً فضائحياً... أو تسجيلاً لقادة النهضة العربية وتدخلات القوى الاستعمارية». يعتقد عبـــــــدالله خلــــــــيفة بوجود نمو حلزوني يخرق الواقع والقوى المضادة،«وهذا ما يصل إليه عادة الدارسون الموضوعيون». ويعزو اختصار بعض الكتاب الكبار في مؤلف واحد، إلى أن هذا الكتاب،«ربما كان يمثل أهم خصائصه وقوة تجاربه. أو أن الكاتب لا يمثل علاقة عميقة بمجتمعه وعصره». يختلف عبـــــــدالله خلــــــــيفة مع الآراء التي تؤكد أن البلدان، التي اعتبرت «هوامش» في الماضي، أصبحت اليوم «مراكز»، في إشارة إلى بعض دول الخليج التي تتبنى مشاريع ثقافية كبرى، وتلفت الأنظار إليها في هذا الخصوص، ويقول إن هذه الدول تهتم بالترويج، «ولكن من دون إنتاج مهم». وفي رأيه لا تتطور المجتمعات من دون إنتاج ضارب في الأرض، وبالتالي تتحول هذه إلى عروض، «بدلاً من تحريك الرواية في المناهج والصحافة وشبكات الإعلام الجماهيرية. ولهذا فمن الصعب أن يتمكن كاتب واحد، من نشر رواية مسلسلة في صحيفة خليجية ويحصل على أي مقابل». كتب: أحمد زين http://www.alhayat.com/article/1613469

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
أضف مقتطفاً

كان للصحارى وجيبٌ خافتٌ وهي تصحو على الفجر ، سكونـُها الطويلُ الهادئ انقشع ، وجاءتْ آلاتٌ وبشرٌ من ما وراء البحار ، الرمالُ التي كانتْ تتحركُ كيفما تشاء حُجزتْ بشجرٍ شوكي وبدروبٍ سوداء وأسلاكٍ وأحجار ، والكثيرُ مما يُرى من قوافل الإبل تلاشى ، وتحركتْ كائناتٌ حديديةٌ سريعةٌ مثل البروق ، لها صخبٌ وأنينٌ معدني رهيب .
البلدةُ الراقدةُ قربَ الشواطئ ذات البيوتِ الصغيرة المتلاصقة المسماة (سبخة) ترامتْ في البادية وسارتْ نحو الساحل الطويل الذي لا يُرى طرفاه.
التلالُ الرمليةُ الشاسعةُ المتحركةُ من اقصى الشمال للجنوب هدأتْ والتصقتْ بالتراب.
وهو الذي كان يحدو ويشدو على تلك الطعوس محاولاً أن يكون شاعراً لم تواكبهُ تلك الرمال ، وجدها تتحولُ إلى مادةِ بناءٍ صلبة ، وتأتي الشاحناتُ وتقبرُ بطونـَها ، وتأكلُ أجسادَها الشاسعة ، فإذا هي أرضٌ جافة ، وإذا بلدةٌ كريهةٌ تظهرُ بين نزيفٍ وولادة ، وإذا بيوتٌ قميئةٌ تترامى في كلِ اتجاه ، وإذا الدروبُ الخمسةُ التي تتفعى بينها ، تصبحُ شوارعَ ذات قشرة سوداء ومصابيح معلقة فوق أعمدة حديدية صلدة موحشة .
وحينئذٍ تاهتْ القبيلةُ العبسيةُ في شقوقِ الحجر ودخلتْ غيرانَ الأحياءِ ودكاكينِ الذهب والقماش والخضار ، والفرسانُ الذين عبروا الصحارى ، وأكلتْ منهم السيوفُ والرمالُ والأنعامُ ، وراسلتهم الأقمارُ والنجومُ ، سقطوا عن ظهورِ جيادهم ومشوا بين الأثلِ والأغنامِ ، والخيامُ التي كانتْ مفتوحةً للهواءِ والفضاءِ والحكاياتِ المثيرة ولبكاءِ ونداءاتِ الربابةِ غدتْ مساكنَ مثل الكهوف.
والراوي الذي كان رجلاً فتياً ينشدُ ويشعر ويغني غدا فجأة كهلاً وأعمى.
ولم يعرفْ رجالهُ الذين بدلوا ثيابهَم الناصعةَ رديفةَ الضياءِ بملابس غريبة موزعة بين نصفين أسفل وأعلى ، وراحوا يركضون بين براميلِ الزيتِ الأسود والأسفلتِ الحار على الأرض ، والأحجارُ التي أُلقيت في البحر وكونتْ شريطاً من كتلٍ مدورةٍ تجمعتْ وغدتْ ألسنةً في المياه ، يركضون ويمشون فوقها حاملين الصناديقَ والأشياءَ نحو السفنِ الخشبية التي تترجرجُ فوق المياه بأشرعتِها الكبيرة .
وعيونُ القبيلة ، رجالهُا الكبارُ اللوامعُ ، نزلوا للثرى ، وخالطوا الأغرابَ وأعشابَ الأرض ، وتراكضوا بين ألواحٍ وصناديقٍ وسلع ، وانحشروا في عماراتٍ مفتوحة تبيعُ الأشياء ، وغرقوا في طوفانِ المعادنِ الصغيرة الزاهية والأوراقِ والفواتير والفرضةِ التي كانت أشبه بصندوقٍ كبيرٍ يجلسُ فيه موظفٌ ثم غدتْ بنايةً عملاقة تحددُ عددَ الموجاتِ والنوارسِ والسفنِ والبشر ، وتستنزفُ المياهَ وأعماقَ البواخر والبلدان البعيدة .
قصرُ الوالي المكون من قلعةٍ عتيقةٍ صار مجمعاً من قصور أُحتجز بسورٍ دائري عظيم .
صار أغلبُ رجال القبيلة مترجرجين على القوارب والموج ، جاثمين على الشواطئِ يغزلون الشباكَ والحكاياتِ والمواويل.
هناك يجدهم إذا وحشوه وغابوا كثيراً ، هناك يسكنُ صخبهُ وتتدفقُ كلماتهُ وقصصه ، إنهُ حادي العيس الذي نفقتْ جمالهُ ، وضاعتْ سيوفهُ ، وتلاشت قافلتهُ في السراب .
ماذا يريدُ هذا الليلُ من المساكن الغافية والفرسان الذين سلموا أسلحتَهم للوالي ؟ ماذا يريدُ من نشرِ مسحوقِ الوحشةِ في الدروب ؟ وقد تجمعتْ هياكلُ الأجدادِ ومعلقاتهِم وأساطيرهم تحت الرمال وأخذتها الرياحُ للمقابر الكونية في الربع الخالي ؟ !
لم يأتِ الوالي إليه ، بل بعثَ مرسالاً هو أحدُ خدمهِ فقال لأسماء أم العيال :
- لا يَقصدُ أي خير !
تطلعتْ إليه بوجلٍ :
- خلفان أفعى فأحذرْ يا أبا محمد .
- لا توصين حريصاً يا أم محمد .
ماذا يريدُ هذا الليلُ والرجالُ صاروا قطعاناً في حظائر مُعّدة للذبح أو خدماً ؟ والخسيس ابن الخسيس صار حاكماً ؟ كانت القبيلةُ قد جاءتْ من بين الجبالِ وتلالِ الرمالِ ، من قاراتِ العطشِ والحشائشِ المحترقةِ ومن بحيراتِ الهياكلِ العظمية للحيواناتِ النافقة ، من سواحلِ الأنهارِ التي عطشتْ وتلاشتْ ، وهاجمَها قطاعُ الطرق ، وتوهها السحرةُ المغرضون ، حتى جثمتْ بين أقدامِ الوالي فنزعَ قطعَ السلاحِ وقراطيسَ النجاة القديمة ، وخرائطَ المياهِ والزرع ، وكُتبَ الأسلاف ، وأسكنهم في بقعة جرداء وذات حقول سوداء نارية . في السبخةِ الحارقةِ الرطبة المشتعلة صيفاً ، الموحلة ، النقعة شتاءً .
بابٌ وحيدٌ وسياطٌ ومراكزُ شرطةٍ وحينما تفجرَ الزيتُ من الأرضِ زالتْ الأسلاكُ الشائكةُ ولم تأتِ الحرية .
جاء الطارشُ في المساءِ بسيارةٍ وأخذهُ في دروب الصحراء وهو يثرثر .
الدروبُ ليستْ هي الدروب ، ما عادتْ هناك قوافلٌ ، والكهوفُ المليئةُ بالسحرةِ غدت مناجم ، والخرزُ المضيء طريقٌ مبلطٌ لبيت الوالي وقصور عشيرته .
انغمروا في السبخة وعَرق البحر الحار والحاس ، تخدروا بروائح الأسماك ، وامتلأتْ أيديَّهُم بقشورِ السمك ، فأين الطرادُ والخيامُ والغزلانُ والواحات ؟
أُدخل في قاعةٍ كبيرة ، ورأى الحوشَ الواسع المُعَّدَ للعرضات وصولات الرجال ، والحديقة الكبيرة ، وكان المجلسُ فارغاً والسجاجيد الهادئة تقودهُ لغليان الوالي .
قال الكهلُ المزوقُ المتشببُ:
- طلبتكَ طلبة يا أبا محمد إن شاء الله ما تردني !
- خير إن شاء الله ، أسمعها أولاً !
- أريدُ القربَ منك ، أريد أن أتزوج بنت أختك نورة !
كأن هلالاً قد لُسع . لم ينتظر أن ينحشر الوالي في حجراتِ بيته ، ويخطفَ الكائنَ الرقيقَ الرهيف العزيز قربه لسنوات طوال . وحتى لو لم تكن كذلك وحتى لو كانت مخاصمة له ما كان يرضى أن يقربها هذا الرجل .
قال بهدوءٍ مُرٍ :
- والله يا شيخ أنت عزيز وغال ، ولكن الأخت مخطوبة !
صعقَ الوالي أكثر منه . بان ذلكَ في رجفتهِ وتغيرِ لونِ وجهه . ثم في سكوتهِ الذي طالَ وثقلَ على المكان كأنه ما قبل الزلزال .
غمغم :
- خير . . خير . .
في طريقِ عودتهِ المضطرب المتوتر كان الوالي يصرخ بين رجاله :
- هذا الحقير يرفض مصاهرتي ؟! أنا شيخ هذه الأرض الواسعة . . من بيده الأرواح ؟ والله لأذيقنه عذاباً لم يرْ أحدٌ مثله . ثم أنها غير مخطوبة . . كلُ العيون أكدتْ ذلك . يا ويله يا ظلام ليله !
كان الصمتُ المرهفُ الحد في السيارة وعينا السائق تحدقُ فيه أكثر مما تحدق في الطريق والذئاب الجائعة الواقفة وعيونـُها خرزٌ أحمر .
في البيتِ كانت العائلةُ تحيطُ به مثل سوار ملتهب . أخبرهم السالفة بوجيزِ القولِ حارقه ، فتداعوا على المقاعد بين مرارةٍ وضحكٍ وذهول .
قالت زوجته :
- يا أبا محمد أمامنا مصيبة كبيرة !
قالت نورة باستخفاف :
- كلُ إنسان حر في حياته !
سألها هلال :
- ألا تهفو نفسكِ إليه ولو لحظة ، دعي إنه فعل ما فعل بالديرة ، أنتِ أمام اختيارٍ خاصٍ بك ، أمام فرصة مخيفة كبيرة ، فماذا تقولين ؟
- يا خالي أنت عبرت عني .
- ولكنك لست مخطوبة أم أن ثمة حباً ما ؟
كان عمار دائم اللقاء به في المقهى وقد ألمحَ إلى شرف مصاهرته !
- أي حب يا خالي !
- لكن أمامك مفترق طرق عسير وخطير !
- يا خالي لماذا تهولها وهي صغيرة ؟ !
حدقت فيها اسماء ، أم محمد ، باستياء وقالت بحدة :
- خطبك خلفان الجزيري وتقولين لماذا يهولها ؟ ليس لك سوى الأزياء والعطور والمجلات !
- لا تقولين ذلك يا امرأة خالي ، فراقك عليّ صعب وأنت التي كنت . . أمي !
والتفتْ أسماء إلى هلال قائلةً بضراعة :
- يا أبو محمد شوفْ لنا ديرة غير هذه الديرة ، دعنا نرحل قبل هبوب المصائب !
- أين نذهب ؟ هل تعتقدين إننا نقدر أن نظعن بهذه البساطة ؟ هذه الأقدام التي غاصتْ في التراب والروح والوحل والتي ذابت في العشرة والحب الذي أعطانا إياه الناس تذهب هكذا كلها في لحظة ؟ في دقيقةٍ من خطبةٍ فاشلة ومن تهديدٍ ومن رغبة والٍ مغرور ، أين عقلك يا امرأة ؟
- نرحل بالناس !
- الناس . . ؟ أما ترين أحوالهم . . ؟ !
قال محمد :
- لم يحدثْ شيءٌ بعد وأنتم تتشاجرون !

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0