عن محمود المسعدي

كاتب ومفكر تونسي. ولد في قرية تازركة بولاية نابل بتونس. وبدأ تعليمه في كتّاب القرية حيث أتم حفظ القرآن قبل أن يبدأ مرحلة التعليم الابتدائي في قربة. ثم أتم الدراسة الثانوية في المعهد الصادقي عام 1933. وفي العام نفسه، التحق بكلية الآداب بجامعة السوربون..

كتب أخرى لـِ محمود المسعدي


thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


حدث أبو هريرة قال (236 صفحة)

عن: دار الجنوب للنشر تونس (1516)

رقم الايداع : 02006
الطبعة : 3
أضافه : Khao Ben Ohtman
التصنيفات : أدب

حدّث أبو هريرة قال هو عمل أدبي للكاتب التونسي محمود المسعدي بث من خلاله أفكاره الفلسفية الوجودية من خلال البطل أبو هريرة معتمدا على لغة مكثفة وقديمة. اعتبرها الناقد توفيق بكار أهم مغامرة روائية في القرن العشرين واختيرت كتاسع أفضل 100 رواية عربية من اتحاد الكتاب العرب. نسبها بعض النقّـاد إلى الأقصوصة تارة وإلى الحديث الأدبي تارة أخرى.

بطل القصة أبو هريرة يعيش في مكة التي ترمز إلى التقيد بالروابط الاجتماعية والطقوس الدينية. فهو ملتزم بعباداته متزوج بطريقة شرعية، يمثل الرجل التقليدي فارغ الكيان في عالم راكد لا حراك فيه، وصلته به تقوم على التسليم بكلّ شيء، إلى أن يجيئه صديق له يدعوه إلى الخروج عن المألوف "أصرفك عن الدنيا عامة يوم من أيامك" فالبعث الأول منطلقه عوامل خارجية عن أبي هريرة الذي لم يكن مستعد للرحيل. كان الخروج من مكة فجرا. هذا الفجر يرمز به إلى ابتداء المغامرة الوجودية.


  • الزوار (1,751)
  • القـٌـرّاء (4)
  • المراجعات (2)
ترتيب بواسطة :

ما انفكت الرواية نصّا تفاعليا يستجلب التعالق والتفاعل مع نصوص الحياة المختلفة مهما كانت طبيعتها ، انطلاقا من تفاعلها مع واقعها ، وقد قال باختين :تحاكي الرواية بسخرية كل الأنواع الأخرى (وبالضبط لأنها أنواع ) ، وهي بذلك تكشف عن أشكالها ولغتها التعاقدية . إنها تقصي بعضها ، وتدمج بعضها الآخر في بنيتها الخاصة ، معيدة تأويلها ، ومانحة إياها رنة أخرى. فالرواية مندرجة ضمن سياق حضاري متواصل ، فلا بد من تفاعلها مع مجالات التعبير الأخرى ، ومن أبرز أشكال هذا التفاعل هو استلهامها التراث في إنجاز موضوعها وشكلها. لقد ارتبطت كلمة التراث في أذهان الباحثين بالماضي ، إذ هو كل ما ورثناه تاريخيا ، أو كل ما وصل إلينا من الماضي داخل الحضارة السائدة. من هنا فإن مسميات كثيرة ستندرج تحت مفهوم التراث : كالتاريخ والدين والسير الشعبية والحكايات والمقامات والخبر والرسالة والبيئة الشعبية والفكر العربي في مرحلة نشوئه ... إلخ . لقد وجد روائيونا الكثير في هذا الأرث المتعاظم ، ولكن استفادتهم منه جاءت متباينة من واحد لآخر : لأن قدرة الكاتب على التفاعل مع نصوص غيره - حسب سعيد يقطين - لا تتأتى إلا بامتلاء خلفيته النصية بما تراكم قبله من تجارب نصية ، وقدرته على تحويل تلك الخلفية إلى تجربة جديدة قابلة لأن تسهم في التراكم النصي القابل للتحويل والاستمرار بشكل دائم ، فالامتلاء أو الهضم شرط أساسي للاستفادة ، ومن ثم التحويل والإسقاط ليندرج العمل ضمن سياقه الثقافي المعاصر.ويبقى التساؤل يحتمل أكثر من إجابة ، فلماذا هذا الاندفاع نحو الماضي؟ ألا تتوفر في الحاضر مادة تشغل الروائي عن ماضيه؟ بلى ، فالحاضر دائماً هو من يوجه الكاتب نحو موضوع يلتمس فيه دواءً لأرقه. إن كل نص مهما بعد عن حاضره مرتهن بطريقة أو بأخرى إلى بند من بنود الحاضر والرواية التي تستند إلى عنصر من عناصر التراث نص يبتعد في ظاهره عن نقطة الحاضر (نقطة الانطلاق) ويتوغل في الماضي لكنه يبقى وليد (الآن) وإن ابتعاده في الماضي ما هو إلا طريقة لفهم الحاضر ، فهي في كثير من نماذجها استعارة عصر غابر لتمثيل روح العصر الحاضر ، فالمرسل لا يرمي من وراء ذلك إلى أن يقول لنا: "هكذا عاش آباؤنا إنه وهو يُرهن الواقعي والاجتماعي يكتب نصاً ، وينتج عالماً نصيّا له استقلاله وهويته. إن الرواية في بعض نماذجها تمثل خطاباً بديلاً عن التوجيه والإرشاد المباشرين ، من هنا لابد للرواية حتى تكتسب هذا الوصف أن تحمل من قضايا العصر مشاغله وهمومه فتعلق عليها وتبحث لها عن تفسير. ورواية "حدّث أبو هريرة قال ..."تمثل هذا التوجه ألفها التونسي محمود المسعدي عام 1939 ، ثم نشرت كاملة عام 1973 ، وهي من النماذج المبكرة في الرواية العربية التي تحمل وعيا نحو التراث ، فهي"مغامرة وجودية جريئة وتجربة قصوى في الكتابة . فكما بعث المسعدي أبا هريرة اسما ومعنى من أعماق الماضي ، كذلك بعثه شكلا وأسلوبا في تناسق فني متين . فبينما خير كتابنا يكدون قرائحهم لتملك وسائل الرواية الغربية وقد يئسوا من موروثهم القصصي واقتنعوا بأن لا معاصرة إلا ما صوّر الغرب رفض المسعدي أن ينقطع عن أصوله الثقافية ... عاد إلى أعماق الماضي فاستمد منه أعرق أشكال السرد عند العرب : الحديث أو الخبر لا ليقلده بروح سلفية عقيم بل ليعيد اختراعه بقوة الذهن الحديث (توفيق بكار: مقدمة الرواية) .وقد بنى المسعدي روايته على ثلاثة وعشرين مشهدا أو حديثا متعدد الرواة ، فمرة يروي أبو هريرة ومرة يروي صحبه ومريدوه كريحانة وابو المدائن وكهلان وأبو سعد وحرب بن سليمان ... مع أفضلية لأبي هريرة الذي روى عن نفسه أربعة أحاديث ثم أبو المدائن الذي روى خمسة أحاديث عن أبي هريرة . وقد طرح المسعدي لكل خبر من الأخبار الثلاثة والعشرين عنوانا ، فبدأ الأول بـ : البعث الأول وانتهى في الحديث الأخير بالبعث الآخر ، توسطتها عنوانات من قبيل : المزح والجد ـ التعارف في الخمر ـ القيامة ـ الحس ـ الوضع ـ الشوق والوحدة ـ الحق والباطل ... وتتآزر هذه العنوانات لتروي لنا بتقنية الخبر أو الحديث التحوّل الذهني الذي عاشه أبو هريرة - سميّ الصحابي الجليل رضي الله عنه - من تقوى تمجيد العبادة وتقديس الروح ونشدان الآخرة إلى الوجودية وإعلاء شأن الجسد ونشدان الحياة ، وتجري أحداثها في الجزيرة العربية بالقرب من الديار المقدسة في الحجاز بين مكة والمدينة ، وقد عقّب مقدم هذه الرواية - توفيق بكار - عليها بقوله :"فهذه القصة فيما أعرف أول نص أدبي يطرح بمثل هذه القوة وهذا العمق الفلسفي قضية الجسد في المجتمع العربي الحديث". وفيها تمثل شخصية أبي هريرة الطاقة الإخبارية الهائلة ذات المصداقية العالية أسوة بالصحابي راوي الحديث النبوي الشريف ولكن في مجال تقديس الجسد لا تقديس الروح ، إذ يمثل قيمة ثقافية مرسلة من الماضي إلى الحاضر ، ليكون عنوان المغامرة في العصر الحديث والسعي الجاد إلى إعادة تشكيل الحياة بمبادئ مختلفة ، فأبوهريرة : صورة مثقف وعى ذاته ورياح العصر تدفع المجتمع إلى التقدم والحرية ، فانطلق ينحت بين الزهو والجذل مُـثلا جديدة تشيد بجلال الإنسان وقدرته على صنع مصيره . وقد بدا أبو هريرة في الرواية متحليا بقيم الإسلام ملتزما بالصلاة في وقتها ، متزوجا حسب السنة متحليا بقيم المؤمن بالآخرة ، لكنه تحوّل إلى غير هذا المسار بعد أن تفجّرت أمامه شهوة الوجود فتبدّل نظره عن فردوس السماء إلى فردوس الأرض عن الجنة الموعودة إلى الجنة الموجودة . وقد حقق أبوهريرة هذا التحوّل ليس على مستوى المضمون فقط بل على مستوى الشكل أيضا عندما أخفى في داخله روحا فلسفية حركية تتجسد في الحيوية اللغوية وهي حيوية متمظهرة في تغير الأصوات السردية وتعدد السند في رواية الخبر وخرق ثبوتية الزمن الواقعي ، وهذه الروح الفلسفية استعير لها شكل تعبيري تراثي هو الخبر ، وهناك علاقة وثيقة بين فن الخبر وفن الرواية يمكن تلخيصها فيما يلي: 1) كليهما يتميز بالقدرة على احتواء أجناس أخرى .2) قدرة فن الخبر على تناول الموضوعات المتعددة والمتناقضة كالجد والهزل .3) احتواء فن الخبر على عناصر قصصية تقرّبه من فن القصة ، كتوهم الحقيقة عن طريق السند وتداخل الخيالي بالتاريخي .ولعل مثل هذا الطرح الذي يستثمر فن الخبر وتوابعه ليعود إلى إشكالية سردية تتعلق بجدوى مثل هذه التوظيف بوصفه نمطا من أنماط السرد لتحقيق رؤى الكاتب الفلسفية التي تدفع القارئ للوقوف أمام المطلق واللانهائي.ويتلخص الأمر بمجمله في استعارة الشكل التراثي على مستوى البنية واللغة والتقنية والشخوص والرواة والمقولات الاستهلالية ، لإيصال فلسفة الكاتب ورؤاه الوجودية إلى القارئ ، وهذه الاستعارة تعكس تعالقا نصيا بين التراث من جهة الشكل والوجود من جهة المضمون. يعتمد بناء الرواية على ثلاثة وعشرين حديثا متنوع الرواة وبعنوانات مختلفة وبمقولات استهلالية متجددة ، إذ سعى المسعدي إلى طرح رؤيته الفلسفية في نصوص تناقش التراث وتنفتح على الماضي بكل حركيته ، فيلتقي التراثي بالمعاصر في بنية لغوية قديمة ، وقد جاءت عنوانات هذه الأحاديث من أجل تجزيء حركية الزمن وإضعافها ، ومضاعفة انتقائية الرواة فيما يروون لحصر الأفكار الأساسية التي يمكن أن تشكل بمجموعها فكرة الوجود ، إذ تسعى هذه الأحاديث إلى تخصيب رؤية المسعدي الفلسفية تجاه الكون أكثر مما تسعى إلى ربط الأحداث وجمعها . فمثلا قامت تقنية الحذف بفعلها عندما ألغت التواصل السردي وساهمت في رسم التواصل الذهني وإن كان على شكل خارطة من المفاهيم الفسيفسائية ، ومن هنا فقد جمعت الأسانيد التقليدية والأخبار الطريفة الغريبة إلى جانب الإيحاءات اللغوية والرؤى العميقة ، في الوقت الذي امتزجت في ذات الشخصية السردية صورة الثقافة العربية التقليدية من جهة ، وصورة الثقافة الغربية من جوانبها الفلسفية ، فقد تفاعل الكاتب ـ المسعدي مع تربة تاريخية - جمالية تحيل على الذاكرة العربية المتخيلة وانفتح على الآخر في محاولة لإعادة تكوين المنظومة المعرفية الجمالية التي ترتبط بـ (الأنا).من هنا فقد همّش المسعدي الزمن في بنية الرواية مطلقا العنان للأفكارالتي تتجاذب نفسها والقارئ على حدّ سواء ، فبات صراع الفكرة هو المسيطر على مجريات الأحداث المتعلقة بشخصية (أبي هريرة) المحورية ، وصاحب السيادة في التحدّث والكلام وبثّ الرؤى ، وقد تجلّى هذا التسيّد أو احتكار الطرح منذ العنوان"حدّث ابو هريرة قال" ، فصاحب القول الفصل هو أبو هريرة دون شريك ، حتى الرواة المتواجدون في العمل وظفوا ليقولوا ما خبروه عن أبي هريرة.ولأجل هذا التسيّد أو الإبراز في شخص أبي هريرة اقتصر المسعدي على المتن مغيبا الهامش ، فالكلام كله متن ولا مجال للهامش إلا في ذهن القارئ الذي سيراجع أفكاره ومواقفه ، حتى مسألة استحضار غيرما راوْ هي من باب استحضار شاهد ومؤيد ومساند لكلام أبي هريرة . ومع أن الأخبار المساقة إخباريا وسندا لا أصول لها في التاريخ إلا أن البنية الإخبارية الموظفة هي بنية الحديث أو الخبر ضمن إطار من التراث وعبقه الآسر ، وفي فضاء نصي يخرق خطية الزمن ، فمن الحاضر إلى الماضي ، ومن الماضي إلى المستقبل ، فضلا عن رغبة في التمرّد على السائد المألوف ومرافقة المغاير والمختلف ، إذ على المستوى المضموني تحرّك المسعدي نحو المختلف والعكسي عندما زاوج بين المتعة والمرض ، والنشوة في الذات المتجاورة للصحة والاستقامة ، وهذا التغاير من شأنه أن يربك القارئ وهو منشغل بترتيب الأحداث ونظمها فيخرق أفق توقعه ويحوّل النص السردي إلى نص جدلي مناهض للاعتياد .والإشكالية تكمن في أن بنية الخبر من مشهد إلى مشهد تتحدّى القارئ وتربكه وترغمه على معاودة الكثير من مرجعياته الجمالية التي ينطلق منها قبل الدخول إلى عوالم النص سواء أكان شعريا أو سرديا ، وإن كان المسعدي يمارس مغامرة في تشكيله السردي ، الذي ينفتح على الطرح الفلسفي ـ الوجودي ، فإن القارئ سيكون مضطرا إلى مغامرة تشكيل ـ بناء ، استراتيجية القراءة التي تكشف مغامرة الشكل السردي ، هذا بالبحث في خصوصية الزمن السردي ، وهو زمن ينفتح على التنوّع الدلالي. فالإشكالية تمتد من استعارة شكل تراثي إلى تهميش للزمن إلى مخالفة التوقع وخوض مغامرة في المفاهيم المتضاد.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

ليس من السهل أن نثبت طبيعة الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه نص (حدَّث أبو هريرة قال) للكاتب التونسي محمود المسعدي، وقد أشار المؤلف نفسه إلى أنه كتاب(1)، وبعض الأحيان إلى أنه رواية(2). وأطلق عليها الناقد التونسي توفيق بكار مصطلح (قصة) في تقديمه لنص (حدَّث أبو هريرة قال) عام 1978 وأشار في معرض حديثه عن أسلوب المسعدي في استخدام الزمن قائلاً «قياساً بزمن صدوره فإنه يمكن القول إن تقنياته اقتربت من تقنيات الرواية الجديدة في فرنسا»(3). وقد يتفق كل من يقرأ (حدَّث أبو هريرة قال) على أن توفيق بكار قد أجاد في مقدمته حين أشار إلى التوظيف الإبداعي للزمن في إطار النص من جانب. إلا أنه من الجانب الآخر لا يتفق أي القارئ مع ما ورد في مقدمة توفيق بكار من مقارنات بينها وبين الرواية الجديدة في فرنسا التي ظهرت بعد أن كتب المسعدي نصه بما يزيد على عشرين عاماً(4) لاسيما وأن القارئ سيلمس سريعاً اكتمال حبكة (حدَّث أبو هريرة قال) المرتكزة إلى شخصية (أبي هريرة) كشخصية مركزية بخلاف ما ورد في الرواية الجديدة في فرنسا التي تهمش البطل ليشكل العالم الخارجي مركزاً للعمل الروائي(5). ومثل ذلك ينسحب على الوعي الفكري الملتزم للمسعدي الذي بدا واضحاً للقارئ وأن لم يعلن عنه الكاتب صراحة وعلى عكس الرواية الجديدة في فرنسا التي تسعى واعية إلى إلغاء الالتزام الفكري من النص الروائي(6). وبالمحصلة فإن اقتراب نص المسعدي من ما يسمى بالرواية الجديدة يبدو مصادفة محضة. وأما بشأن تحديد الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه نص (حدَّث أبو هريرة قال) فإنه يتبين ما يلي : أن هناك عدة صعوبات واجهت النقاد والقراء على حد سواء إزاء مسألة تحديد الجنس الأدبي للنص والتي حصلت بسبب الفارق الزمني الكبير نسبياً بين زمن كتابة النص وزمن نشره، فرواية أو قصة (حدَّث أبو هريرة قال) كتبت عام 1939، ولكنها نشرت عام 1973، ولذلك فقد وضعت على طاولة النقد في ضوء نظريات علم الجمال التي كانت سائدة في السبعينيات وما بعدها بدلاً من النظر إليها وفقاً للسياقات النقدية التي تزامنت مع كتابة نص المسعدي في أواخر الثلاثينيات. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى اللبس التاريخي الذي ورد في مقدمة توفيق بكار بشأن طبيعة الجنس الأدبي لهذا النص على أنه رواية جديدة قد حدد وفقاً لمعايير لاحقة تجلت بعد عدة عقود من كتابة هذا النص(7). وعلى سبيل الاستدلال فإن بعض النقاد ممن ربطوا بين نص (حدَّث أبو هريرة قال) وبين الوجودية الفرنسية لكامو وسارتر(8) قد جانبهم الصواب لأن الوجودية الفرنسية لم تتبلور كمدرسة فكرية وأدبية واضحة المعالم زمن كتابة المسعدي لنصه (حدَّث أبو هريرة قال) لاسيما وأن رواية سارتر (الغثيان) نشرت عام 1938 ورواية كامو (الغريب) نشرت عام 1942 ورواية هوم رفولت (الإنسان المتمرد) نشرت عام1951(9). كما أن بعض النقاد وجدوا في المسعدي مصلحاً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً ساعياً للتجسير بين الثقافة العربية الإسلامية والتراث مع حفاظه على الإطار المرجعي الرئيسي للمواقف الأخلاقية والفكرية الشائعة في زمن المسعدي من جانب، ومن الجانب الآخر تكريس مطالب الحداثة العربية التي استقت مبادئها من إنجازات الغرب الأوروبي(10) مثل الوعي بالتراث وبالأمكنة التاريخية ونبرة أسطرة الشعر. كما أن بعضهم الآخر - وأقصد النقاد - قد حللوا انشغالاته بالرحلات الفكرية لشخصياته وأسئلتهم المجازية خلال رحلة البحث عن الحقيقة والحكمة في الفلسفة الإسلامية الوسيطة إذ ربطوا على سبيل المثال بين شخصية (أبو هريرة) وشخصية حي بن يقظان في صياغة ابن سينا (ت 1037) وفي صياغة لاحقة لابن طفيل (ت1185)(11). فضلاً عن أن العديد من دارسي الأدب والنقاد في الغرب والعالم العربي أشاروا إلى توظيف المسعدي الواضح للصور الفنية والمصطلحات الصوفية لنقل أفكاره. فعلى سبيل المثال قدم الدكتور محمد صلاح العمري حجة قوية بشأن شاعرية المسعدي وبشأن رؤيته للعالم من خلال صوفية أفكاره وصوره الفنية(12) وهي قراءة ترتكز إلى رؤية أكاديمية معرفية حول التصوف وتاريخه عبر مصادره التي كانت متاحة له وقت تحليله لنص (حدَّث أبو هريرة قال) في نهاية التسعينيات وبداية الألف الثالثة. ولذا فإلى حد ما، فإنها تنطوي على مفارقة تاريخية أيضاً، لأن دراسة المسعدي نفسها للتصوف تأخذ مكاناً مبكراً جداً وكما اعترف هو نفسه، مشيراً إلى أنه تأثر بمقترحات التفسيرات للتصوف من خلال المستشرق الفرنسي المعروف لويس ماسينيون (1883 - 1962)(13). كل هذه الآراء النقدية القيمة للإرث الأدبي الذي خلفه المسعدي ساعدت على إضاءة جوانب مهمة من عالمه الفكري وهويته الثقافية المنتجة لنصوصه الملهمة. وسنركز في هذه المقالة على ما نعتبره أهم الممكنات التأويلية لأعماله الإبداعية. وعليه فإننا سوف نقترح بعض الاقتراحات التجريبية التي تتعلق بطبيعة جنس نص (حدَّث أبو هريرة قال) من جانب ومن جانب آخر تتعلق بمرتكزات المهاد الفكري التي بني عليها النص. وسنترك الكلمة الأخيرة للقارئ لإصدار الحكم على رؤانا وعلى الصلة المعاصرة لرؤى المسعدي التي انعكست على الرحلة الفكرية والروحية لبطله (أبي هريرة). وقياساً بالحيز الكبير الذي شغلته الدراسات الأدبية التي حللت المنجز الأدبي للمسعدي نجد أن أغلب الدراسات حاولت أن لا تموضع روايته في سياق عصرها ونادراً ما نجد دراسات تناولتها ضمن سياقها التاريخي. ومن تلك الدراسات مقالة روبن اوستل عن (محمود المسعدي والجيل التونسي الضائع) التي أبرزت حياة المثقف التونسي وجيل أضاعته الحروب وطحنته أحزانها في الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية إذ لمست أوجه التشابه بين تفاصيل نص (حدَّث أبو هريرة قال) وحياة الجيل التونسي الضائع وخصوصاً مكابدات المتنورين مثل الإصلاحيين والمثقفين التونسيين الذين عجزوا عن تحقيق تطلعاتهم بالنهوض بتونس. ويشير اوستل إلى أن أعمال المسعدي «في بعض جوانبها عبارة عن مرثاة مفجعة لهذا الجيل الضائع»(14) ونحن أميل إلى رؤى اوستل بشأن امتلاك (حدَّث أبو هريرة قال) رؤية سوداوية للجهود الإنسانية إذ عكس المسعدي خيباته على بطله (أبو هريرة) حتى بدت وكأنها مأساة.. هذه الكلمة التي ترددت وانتشرت بشكل واضح في هذا النص وسواه من كتابات المسعدي الأخرى إذ يجد أن المأساة هي المحرك الأساس للعملية الإبداعية(15) نورد على سبيل المثال ما قاله بهذا الشأن في مقاله عن أبي العتاهية: «الأدب مأساة أو لا يكون مأساة الإنسان يتردد بين الألوهية والحيوانية، وتزف به في أودية الوجود عواصف آلام العجز والشعور بالعجز: أمام القضاء. أمام الموت. أمام الحياة. أمام الغيب. أمام الآلهة. أمام نفسه»(16) إذن يجد المسعدي وفقاً لهذه المقولة أن المأساة هي صميم الأدب «من الهند إلى اليونان ومن العرب إلى الإفرنج»(17)، لأنها تقع في صميم الوجود الإنساني الذي يواجه الموت والعبثية وخيبة الأمل والخوف والوحشة والملل. من الضروري على الإنسان أن يعطي معنى لحياته ويحاول أن يعيشها بعنفوان وبصدق(18). كما أن المسعدي يرى أنه ينبغي على الإنسان أن يمتلك حريته الشخصية لاختيار مصيره ولا ينبغي له أن يكون مجرد تابع لمسارات وجودية وفكرية مهد لها من قبل آخرين. وخلال رحلة البحث عن معنى للحياة، لابد أن يصطدم المرء بالمعايير الثقافية والدينية السائدة لمجتمعه إضافة إلى أناسيه الذين قد يكبحون جماح سعيه. المأساة بالنسبة للباحث عن الحقيقة تستنتج من التواشج القدري للظروف المعاشة التي لن يقهرها إلا أفراد قلائل. وعلى هذا الأساس يتم النظر إلى النبرة المأساوية لكتابات المسعدي الأدبية ولاسيما فكرة نص (حدَّث أبو هريرة قال) بأنها تستقى من انكسار المثقف التونسي بين ما يجده على أرض الواقع - وعلى صعيد وطنه تونس ما بين الحربين - من ركود اقتصادي واجتماعي وحلمه بالإصلاح والنهوض بالمجتمع. وكانت توقعات المثقف التونسي بالتغيير والحرية والرخاء سائدة بين النخبة المزودة بالثقافة الفرنسية. ولكن كل تلك التوقعات ببساطة لم تصدق وفي نهاية المطاف فإن كل النقاشات الساخنة لمشروع الإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في وسائل الإعلام المقروءة كانت محصلته الخيبة والفشل(19)، وكما يقال في المثل الإنكليزي (كانت المحصلة صفراً). ومن اللافت أن المسعدي يوظف الأساليب البلاغية والبديعية مثل السجع والتورية والجناس والاقتباس والاستعارات مثل التجسيم والتشخيص والتشبيهات والكنايات ليصل إلى غرضين الأول فكري إنساني يتعلق بمصير الرحلة الإنسانية والآخر محلي يعكس واقع الإنسان التونسي في الفترة التاريخية المذكورة آنفا. وبموضوعية مطلقة، فإننا يمكن أن نتلمس تأثير وجودية كريغارد ونيتشه على كتابات المسعدي وموقفه الفكري وذلك لبعد الفاصل الزمني بينهما (منتصف القرن التاسع عشر) وبين المسعدي على خلاف سارتر وكامو المعاصرين له - كما أشرنا آنفا-. إذن يمكن أن نصف الوجودية التي ظهرت في القرن التاسع عشر قبل ظهورها كمصطلح لمدرسة فكرية وأدبية في فرنسا على يد غابريل مارسيل (1889 - 1973) في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي بأنها فلسفة فردانية عدمية إلى أقصى حد(20). بالنسبة لكريغارد (1813 - 1855) الذي عده الكثير من النقاد مؤسساً للوجودية(21) وهو الذي يرى - على حد تعبير الناقدة الإنكليزية جوليا واتكن - أن «كل مولود في هذا العالم له القدرة على أن يكون كياناً أصلياً وأن يبدع علاقته الخاصة بالمقدس»(22) وأيضاً - وحسب واتكن - فإن ذلك المولود لا يلبث أن يتعذب بفكرة الموت الذي سيلاقيه لا محالة. لذلك فإنه يغرق نفسه بانشغالات جمالية تصرف ذهنه عن نهايته المأساوية (الموت)(23). (إلا أنه يفشل في أن يقهر الكآبة والملل المخيمين على أفقه. وثمة واحد من شخصيات كريغارد يشكو: «بأن الصهباء لم تعد تنعش القلب، والقليل منها يجعلني تعيساً، ومكتئباً وعبثاً أحاول أن أغرق نفسي بالملذات، أنا عاجز عن انتشال ذاتي»(24). وفي سياق مماثل يقول كريغارد بان :«الملل هو ظل من ظلال الشك الذي يمكن أن ينمو حتى يفقد المرء أمله بالحياة»(25). ونحن نؤمن بأن المكابدات الروحية لبطل المسعدي الرئيسي (أبو هريرة) تقترب كثيراً من وصف كريغارد لمعاناة النفس في العصر الحديث الذي شهد تغيير القيم وانقلاب الموازين. ومن الواضح، أن هذه المكابدات الروحية والفكرية وأن سبقتها نماذج معروفة في الثقافة العربية والإسلامية ويحضرني في هذا السياق سعي الإمام الغزالي إلى البحث عن الحقيقة واليقين في كتابه (المنقذ من الضلال)(26) وغيرها من النماذج(27). إلا أن بطل المسعدي بقي منتمياً فقط إلى السياقات التاريخية التي وردت في النص. وحين ننتقل إلى نيتشه في كتابه المعروف (هكذا تحدث زرادشت) فإننا نجد صدى واضحاً لطروحاته الفلسفية في بنية شخصية (أبوهريرة) ولعل أهمها: هو تضاؤل الخلق الإنساني بسبب عبوديته للقيم الزائفة(28) التي يطلق عليها نيتشه (الأوهام)(29). كما نجد أن فكرة الروح الحرة واضحة من خلال سلوكيات (أبوهريرة) وهي «روح تتحدى العوائق القيمية والحدود الفكرية والثوابت العرفية، وهي تستكشف وتجرب وتدمر لتعيد الخلق»(30). علماً بأن استلهام المسعدي لطروحات الروح الحرة لنيتشه أو ما يسمى بـ(السوبرمان)(31) يؤكد تمرد بطله (أبو هريرة)على الثوابت القيمية السائدة التي تكرس قدرية الذات وانصياعها التام لإرادة الأعراف والتقاليد. كما أن رحلة (أبوهريرة) وسعيه الفكري والروحي للبحث عن حقيقة الوجود الإنساني برمته لم تكن رحلة شائكة فقط وإنما كانت مليئة بالمخاطر التي تنتهك الحرمات حد المروق: مثل ارتياده حانات الخمرة ومعاقرته إياها، معاشرة فتيات الحانة، السقوط في الغواية الجسدية وتعامله الفوقي مع الناس وقسوته غير المبررة على أترابه ورفاقه فضلاً عن تشكيكه بمصادر الخير والشر في هذا العالم(32). هذه الشطحات العدمية أطلقت العنان لتضخم الذات وصيرورتها مركزاً للعالم المحيط بالبطل وهي بذلك تقترب بشكل واضح من طبيعة شخصية السوبرمان لنيتشه. بل إنك تجد أن المسعدي وعبر بطله (أبو هريرة) قد استلهمها من سوبرمان نيتشه إلا أنه سعى وبوعي جمالي حاد إلى أن يحشد له طاقاته اللغوية ومهارته المستجلبة من مهاده الثقافي التراثي الواسع، فالمسعدي يستخدم الاقتباسات القرآنية(33) والتضمينات من الحديث النبوي الشريف وكذلك صيغ إسناد الحديث منذ العنوان:(حدَّث أبو هريرة قال) ومروراً بالشخصيات التي تحركت على مساحة النص مثلاً : (روي عن أبي سعد قال: حدثت ريحانة قالت)(34) وأيضاً : (حدث كهلان وكان من صعاليك العرب وشداد لصوصها قال)(35). كما أنه استخدم النصوص الشعرية الجاهلية والأموية والعباسية فضلاً عن بعض الاقتباسات الفلسفية من كتب التراث العربي. كما أنه استخدم أيضاً الفضاءات الصوفية من خلال رحلة البطل الروحية والمصطلحات الصوفية مثل :(المقامات والأحوال الخاصة بالطريقة الصوفية) وبعض الممارسات الصوفية مثل الخلوة الصوفية وتجويع الذات للتخلص من الجانب الغريزي للنفس وغيرها كثير. ومن هذه الزاوية، كان المسعدي متفرداً في رؤاه ورائداً في إعادة صياغة الروح الحرة لنيتشه(سوبرمان) لخلق روح حرة جديدة وبمواصفات عربية تمثلت بشخصية أبي هريرة(36). كما أنه سبق زمنه بعقود لاسيما في نصه (حدَّث أبو هريرة قال) المثير للجدل، لذلك فليس بالمستغرب أن تتم كتابته عام 1939 ويبقى منتظراً للنشر حتى 1973، وربما يعود هذا التأخر بالنشر إلى أن القارئ العربي - وقت ذاك - لم يكن مستعداً لاستقبال رؤى أبي هريرة المتمردة والثائرة على التابوهات وعلى الثوابت الاجتماعية. وربما تبقى هذه الإشكالية ماثلة حتى وقت كتابة هذه السطور. وفقا لما ذُكِر، فإن المسعدي حين يجعل من نصه رسالة تنويرية لتنبيه القارئ إلى وعورة رحلة النفس البشرية الباحثة عن معنى الحياة وحقيقتها، وما ستقاسيه من مصاعب وأهوال، فإنه يقدم مثالاً للكاتب الملتزم بقضايا الإنسان وهمومه والرافض للانصياع للتابوهات وللتحديات التي قد تطيح به. ومن هذا المنطلق فإنه سعى واعياً إلى أن يستقطب أكبر عدد من القراء من خلال صياغته الشيقة ونصه المترع بالإشارات التنويرية المحرضة على تغيير الواقع المعاش. وكمقترح قرائي، فإن المسعدي - وكما أشار هو إلى ذلك في أكثر من مناسبة(37)- شاء أن يقدم نموذجاً صادماً للقارئ باستدعائه شخصية (أبو هريرة) الضاربة بعرض الحائط كل القيم والأعراف السائدة كي يهز قناعاته بشأن حقيقة الوجود الإنساني، ويحفزه على معرفة طاقته التي وهبها الله إياه والسعي الحثيث لإضفاء المعنى السامي على تلك الحياة لترقى بعيداً عن الأنانية والغرائزية التي تحملها النفس البشرية(38). ولعل تقنية صدمة القارئ التي وظفها المسعدي وهو ينسج مغامرات أبي هريرة لها ما يسوغها، لاسيما وأن هذه الشخصية قد جنحت إلى اقتراف المحظور لتطرح تساؤلات تتعلق بجرأة المسعدي في طرح هذا النمط من الأبطال وبقدرة القارئ - وقتذاك - على استيعاب كل تلك التفاصيل التي زخرت بها حياة (أبو هريرة) اللاهية العابثة! وبشأن إعادة النظر في مسألة الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه نص (حدَّث أبو هريرة قال) وكما أشرنا إلى ذلك سابقاً. وعلى ما يبدو فإن هذه المسالة لم تكن بذات شأن لدى المسعدي الذي يطلق عليه تارة (الكتاب)، وثانية (القصة)، وثالثة (رواية) بل إن ما يعنيه هو كيفية استقطاب القارئ وإقناعه برؤاه. بالرغم من ذلك، فمن منطلق نقدي نجد لزاماً علينا أن نبين الخصائص السردية للجنس الأدبي الذي ينتمي إليه نص المسعدي، ويتسنى لنا ذلك من خلال: أولاً: بالعودة إلى الجذر التراثي لنص (حدَّث أبو هريرة قال)، وثانياً :بالعودة إلى النظريات النقدية المعاصرة. فأما بالنسبة للنقطة الأولى فهي العودة إلى كتب التراث العربي الإسلامي والثقافة العربية، وعلى سبيل المثال (قصة حي بن يقظان) لابن سينا(39).وهي قصة تتحدث عن النفس البشرية وعن سعيها المعرفي من خلال المرشد الهادي إلى سبيل الحق (حي بن يقظان) وهو يجسد العقل الفعال في إطار الفلسفة الأفلوطينية الجديدة، وفي نهاية المطاف يدعو حي بن يقظان النفس الإنسانية إلى حضرة مالك الملك وهو الواحد الإلهي - وفقاً لأفلوطين -. ومن منطلق ابن سينا فإن الوصول إلى الكمال الأخلاقي والمعرفي لايمكن أن يتم بدون مشرف نبيل وشريف وكامل.(40) وأما بالنسبة للحكاية الفلسفية المسماة (رسالة حي بن يقظان) لابن طفيل فإن بطلها الرئيسي (حي بن يقظان) - الذي يحمل نفس اسم بطل ابن سينا - يولد ويسكن في جزيرة خالية من الناس، وهو يكتشف بنفسه حقائق النفس البشرية، والكون والخالق من تلقاء نفسه وبدون مرشد. وهو يوظف قدراته العقلية الفائقة في إرشاد نفسه بنفسه.على عكس بطل ابن سينا الذي يحتاج إلى مرشد ليوصله إلى اكتشاف حقيقة الكون والوجود. وبعد أن اكتشف بنفسه حقيقة الكون والوجود يحاول أن يتحقق من صحة رؤاه عن الكون والحياة لذلك، فإنه يسافر إلى جزيرة أخرى مأهولة بالسكان ليمتحن توصلاته الفلسفية، وفي هذه الجزيرة يلتقي بإنسان ذي معرفة، ومن خلال حواره معه تتكشف صحة توصلاته الفلسفية. وقصتا (حي بن يقظان) لابن سينا وابن طفيل، وإن تشابهتا بمسمى البطل (حي بن يقظان) وفي رؤيتهما الفلسفية التي تسلِّط الضوء على العقل والنفس معاً، إلا أنهما امتلكتا رسالتين مختلفتين: فالأولى تظهر تطور النفس البشرية عبر مراحل مختلفة، وتؤكد عجزها عن الوصول إلى حقيقة الأشياء وغاياتها الروحية بدون مرشد يشكل حلقة الوصل بين الخالق والمخلوق، وأما الثانية فتظهر تطور العقل البشري وعبقريته القادرة على اكتشاف الحقيقة المطلقة واليقين الروحي من خلال ملاحظة ظواهر العالم المحيط به منعكساً على ذاته(41). وبالضرورة فإن القارئ سيجد أن حكاية ابن طفيل أقرب إلى الرحلة الروحية والفكرية لأبي هريرة منها إلى حكاية ابن سينا، وذلك لأن رحلة أبي هريرة فردانية للغاية، وإن كان لديه بعض الأصحاب، إلا أنهم لم يأخذوا موضع المرشد باستثناء شخصية أبي رغال الملغزة والمكتنفة بالغموض(42). وعلى أية حال، يجد الدكتور محمد صلاح العمري أن شخصية أبي رغال لا تصلح أن تكون مرشداً، بل إنها غير لائقة لهذه الصفة(43). وفي نهاية الأمر وبصرف النظر عن بعض التحفظات، يمكننا أن نعتبر (أبو هريرة) الوجه المعاصر لحيّ بن يقظان إلا أن هناك اختلافاً وهو أن حيّ بن يقظان يفضل العزلة والانفراد و(أبو هريرة) يتورط في الانغمار بالمجتمع. وفقاً لهذا المنظور، يمكننا أن نصف بتحفظ مبدئياً نص(حدَّث أبو هريرة قال) كأنه حكاية مجازية فلسفية أو رواية ناطقة عن رحلة البحث أو سعي الإنسان للحصول على الحقيقة أو اليقين الروحي. وهي مبنية على النموذج القديم ذي الشهرة الواسعة، وأعني بها شخصية حي بن يقظان(44). وأما الاقتراح القرائي الآخر، فيمكن أن نصف من خلاله نص (حدَّث أبو هريرة قال) بأنه حكاية رمزية مجازية لبطل يبحث عن الحقيقة ليجدها لا في حدود العقل ولكن عبر تجليات الذات المقدسة ليصل إلى الاتحاد الصوفي مع تلك الذات في عليائها)(45). وحين نصل إلى خاتمة نص (حدَّث أبو هريرة قال) التي يرد فيها على لسان صاحبه (أبو المدائن) الذي رافقه في رحلته الأخيرة التي ضلّا فيها الطريق، وهو يصف ملابسات غيابه:«ثم سكن كل شيء وناديت فلم يجبني أحد، فلزمت مكاني حتى الصباح. فلما أصبحتُ نظرتُ فإذا أنا على قمة جبل يكاد يبلغ السماء، وإذا دم على الصخر، وإذا تحتي هاوية يقصر عنها مدى العين. رحم الله أبو هريرة. لقد كان أعظم من الحياة»(46) نجد أن هذه الخاتمة تحتمل تأويلات مختلفة نورد اثنين منها: أولها: أن (أبو هريرة) قد وضع حداً لحياته المترعة بالعبث بقرينة الدم الذي (غطى الصخر والهاوية)، وأما التأويل الآخر فإنه يحيل إلى الطقوس الصوفية التي هيمنت على نص المسعدي ليصل البطل في خاتمتها إلى أعلى المقامات الصوفية وهي الاتحاد بالخالق. وأما النظر إلى طبيعة الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه نص (حدَّث أبو هريرة قال) ومن منظور النظريات النقدية الحديثة في تحليل النص الأدبي يستحضرني الناقد المعروف ميخائيل باختين(1895 - 1975) وأسلوبه في تحديد مفهوم الجنس الأدبي المسمى ( الأهجية المينيبوسية)(47) والتي هي عبارة عن نص سردي ينطوي على عدة مفاهيم متناقضة تصل حدّ التصادم في معظم الأحيان، فهناك تماس مباشر بين القيم واللاقيم، وبين الجد والهزل، وبين الماضي والحاضر، وبين البطل الإيجابي والبطل السلبي، وبين الجنة والنار، وبين الأرض والسماء(48). ويوضح باختين معنى هذا الجنس الأدبي ( الأهجية المينيبوسية) قائلاً: «إن هذا الجنس الأدبي هو رواية فلسفية تقوم على اختبار الأفكار عملياً وعبر الجدل الفلسفي لتسليط الضوء عليها من كل الجهات. والقراء يتابعون مغامرات البطل صاحب الفكرة والباحث عن الحقيقة في حركته بين الأرض والسماء، وبين الجحيم والنعيم، وبين أزقة الحواري الضيقة وأولمبوس مهد الآلهة»(49). وفي ما يلي نجمل خصائص الجنس الأدبي الموسوم بالأهجية المينيبوسية لنجد نقاط الاتفاق واضحة مع النص السردي للمسعدي (حدَّث أبو هريرة قال): -1 حبكة الأهجية المينيبوسية توظِّف الشخصيات المبتكرة على نطاق واسع مثل الشخصيات التاريخية والأسطورية والمتخيلة، ومثل تلك الشخصيات المبتكرة نجدها عند المسعدي مثل الشخصيات التاريخية: أبو رغال، والصعاليك، وأبونواس، ورفاق أبي هريرة، وأبو هريرة نفسه، والشخصيات الأسطورية مثل: أساف ونائلة، والشخصيات المتخيلة مثل شخصية ريحانة. -2 استخدمت الأهجية المينيبوسية الخيال المجنَّح لاختبار الأفكار الفلسفية في ظروف غير مألوفة، وهي مجسمة في صورة الرجل الحكيم الباحث عن الحقيقة المطلقة. ومثل هذا تجده في الأحداث الغرائبية التي اكتنفت مغامرات (أبو هريرة) الباحث عن الحقيقة المطلقة. -3 جمعت الأهجية المينيبوسية بين المتناقضات مثل الحوار الفلسفي والحوارات السوقية، وبين المغامرات المتخيلة والمغامرات الواقعية، وبين الأماكن السامية، وبين بيوت الدعارة وأوكار اللصوص في الحانات. وهي أفكار تتماس مع الطبقات الاجتماعية المسحوقة أو التي غابت عنها القيم، وشكلت الطبقة الدونية والدنيا في المجتمع، وصاحب الحكمة، في رحلته الساعية للبحث عن الحقيقة، يصطدم عن وعي بتلك الاجناس المتنوعة من البشر بين أقصى السمو وأقصى الانحطاط. ومثل ذلك نجده عند أبي هريرة في رحلته حيث يصطدم بالقينات وأصحاب الحانات والصعاليك وبائعات الهوى وبأصحاب الدكاكين والسوقة. -4 غالباً ما تقدم الأهجية المينيبوسية الحياة مجردة وعارية تماماً من الرتوش والزركشة، والبطل في سعيه ينهل من مختلف المدارس الفلسفية، ومن النظم القيمية السائدة في العالم.ونجد صدى ذلك في التفاصيل اليومية لحياة (أبو هريرة)المليئة بالملذات الحسية والمباهج الجسدية وحب استعباد الآخرين فضلاً عن رؤاه الفلسفية إزاء الوجود الإنساني. -5 غالباً ما تكشف الأهجية المينيبوسية أماكن شبيهة بالجنة وبالجحيم وبالأرض. ومثل ذلك يتكشف في حركة (أبو هريرة) من الصحراء إلى الحانة، ومن جنة الحب إلى جحيم الوحشة، ومن السوق إلى البيت، ومن الأرض إلى البحر، وما يرافق ذلك من وصف بلاغي يعكس فراديس الأمكنة أو جحيمها. -6 وتستحضر الأهجية المينيبوسية الأحوال المختلفة للعقل البشري لتعكس الطبيعة السايكولوجية للبطل الممزق بين رغبات مختلفة ومتناقضة تصل في مرات عديدة إلى درجة الجنون والهذيان وانفصام الشخصية، ونجد صدى ذلك في شخصية أبي هريرة الذي يفقد في مرات عديدة أسلوب التواصل مع الناس فلا يجد من يفهمه ويتفاعل معه. -7 توظف الأهجية المينيبوسية الطقس الكرنفالي للتهكم والسخرية من عقلاء القوم وحكمائهم، كما أنها تشفع ذلك بكرنفالية غرابة الملبس والحركات. وهذه العناصر تشكل جنس الأهجية المينيبوسية الأدبي الذي يتناقض مع الأحداث الملحمية الجادة التي تُعظِّم البطولة كفكر مهيمن على الملحمة، وتكرِّس القيم السامية. هي بعبارة أخرى الوجه الساخر للملحمة لأنها تنتهك حرمة الأبطال، وتنال منهم، و(تضحك على أذقانهم) لتفضح أسرارهم وتنتهك المحرَّمات والأعراف السائدة بشكل ساخر ومرير لإبراز فلسفة بطل الأهجية المينيبوسية الذي يمتحن بؤس الحياة للوصول إلى الحقيقة المطلقة. لذلك تختلف المواقف والشرائح الاجتماعية التي يجد البطل نفسه متورطاً فيها. ونجد صدى هذا في نص (حدَّث أبو هريرة قال) بشكل عام ولاسيما في قصة أبي هريرة مع طائر الببغاء(225 وما بعدها) وهي قصة ساخرة فضحت تفاهة وتهالك (أهل الحكمة والأدب) على الملذات، لاسيما وأنه وصفهم بأنهم «لا يسكنون عن ذكر الآخرة، ولا يتبعون الهوى، ولا يشربون إلا ستراً» (226ص). حين دعاهم إلى وليمة يقول عنها (ضربت لهم ألوان الطعام والنبيذ الجيد، فجعلوا ينظرون إلى النبيذ ولايجرأون عليه، وهم منكروه عليّ، فقلت: كلُّكم يشرب فلاحياء في الجماعة، وكنت شربت مع كل واحد منهم على حدة وخلوة) (226) وبعد أن شربوا دعا أبو هريرة صوتاً ليغني خلف ستارة، وظنوا كل الظن بأنه قينة حسناء، وفي حقيقة الأمر لم يكن إلا طائر الببغاء (226ص). -8 تجمع الأهجية المينيبوسية بين المتناقضات في سياقات متسارعة وأحداث مفاجئة كأن يصبح السلطان في ليلة وضحاها عبداً والفقير ثرياً أو العجوز شابة في سياقات غرائبية متناشزة غير قابلة للتصديق. والتحولات داخل الأهجية المينيبوسية صادمة وغير منطقية وغير قابلة للتصديق، ونلمح هذه العناصر في نص (حدَّث أبو هريرة قال) إذ ينتقل البطل في سعيه للبحث عن الحقيقة بين أمكنة مختلفة وفي ظروف غير منطقية وضمن أحداث غرائبية غير قابلة للتصديق وبشكل خاطف وصادم. -9 تجمع الأهجية المينيبوسية بين اليوتوبيا ونقيضتها، وهي توظف الشعر والقصة القصيرة والنص السردي والغناء والرسائل والأخبار والحكايات والنّكَت والألغاز لتشكيل بنيتها النصية الزاخرة بالتنوع. وفي هذا السياق نجد واضحاً استدعاء المسعدي للنصوص الشعرية ومقتطفات من أخبار العرب، ومن الخطب البليغة، والأمثال، والطرف والمِلَح، والحكايات، والقصص القصيرة التي تناثرت بين جنبَي النص. -10 والأهجية المينيبوسية باستدعائها تلك الأجناس الأدبية، إنما تسعى إلى خلق حوارات بين الأجناس الأدبية المتنوعة من أجل بلورة تعدد الأصوات، وتعدد الرؤى، وتنوّع النبرات التي تبعد الملل والرتابة عن النص. وهو - وبحسب باختين - مؤشر من مؤشرات الحداثة النصية، وهو يجد أن النص في مشغلاته الأساسية يشبه تفاصيل النفس الإنسانية بتعدد الأصوات التي تؤثر فيها لتدفعها حيناً أو تدحرها أخرى(50). وخلاصة القول، فإن المسعدي لم يكتب أهجية مينيبوسية فحسب، وإنما كتب رواية متعددة الأصوات، ووفقاً لباختين الذي مَيَّز بين النصوص ذات الصوت الواحد متخذاً من الروائي تولستوي أنموذجاً، وبين النصوص ذات الأصوات المتعددة متخذاً من الروائي ديستوفسكي أنموذجاً، إذ يجد أن الأول قد نجح في أن يتحكم بشخصياته(51) الروائية بشكل حتى إننا نتمكن من أن نسمع صوت تولستوي ممتزجاً بأصوات شخصياته، كما أنه بدا متحكماً بمصائرها، في حين إن ديستوفسكي قد نجحت شخصياته في أن تتحكم بمصيرها، وأن تمتلك نبراً صوتياً مختلفاً عن نبرة صوت المؤلف، كما أنها امتلكت القدرة في أن تتحكم بمصيرها(52).وحين نقيس هذا المنظور على نص (حدَّث أبو هريرة قال) فإننا نجد أن المسعدي قد جمع بين النمطين في منجزه السردي إذ جعل منه نصاً متعدد الأصوات(53) - وفقاً لباختين - إلا أن صوته بقي مهيمناً على صوت شخصياته، وإن تنوعت نبراتهم، كما أن وجهه بقي ماثلاً نلمحه خلف شخوص عمله السردي وبشكل ينمّ عن أن (أبو هريرة) لم يكن إلا المسعدي نفسه في رحلته للبحث عن المعرفة والحقيقة المطلقة.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
أضف مقتطفاً

دعي الذكرى فق قتلتها في نفسي و ليس اقبح مما يدوم , انظري مغرب شمسك اليوم فلن تري أبداً مثله

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
آية جمالك ما لم تكوني و لن تكوني

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
ولكنكن معشر النساء كالانبياء اضل الضلال عندكن وحدانية المتوحد

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
لو كان الى النسيان سبيل لكان ريحك انساني , لكن هيهات و مع اللحم و الدم و الحس يجري الهوى فيها جرافا , علة في الانسان يلقاها هنا أو هنا

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
لقد كان دائم التوق الى الشمس دائم الخوف من طلوعها و يقول : ان استطعت فاجعل كامل حياتك فجراً

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
شر ما في الدنيا أن الحياة عبث , بل لا أدري لعله خير ما فيها

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
ما حاجتك إلى رثاء الشيخ والعجوز ؟ لانهما كادا أن يعلماني جهلهما في الدنيا وبكر السبيل , فلما فقدتهما عادت تقودني السبل المسطورة , ووقعت في سابق قصتي و نفسي و كنت أريدها عذراء لم يطأها واطىء فإذا هي عجوز فاجرة

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
إن الذئاب تلبست بدمائكم فاعارتكم وحشة و ظمأ و جوعاً و انبتت بافهواهكم انيابا حديداً , فتآكلتم وتقاتلتم فلا القتل اروى ولا النهب أشبع , والله انها لمن المعجزات , تفسدون وتهدمون وتجعلون ما خلق الله دماراً وانتم لا تعلمون ما تطلبون , ألا انكم فؤوس الخراب أفلا تستحون وترعوون

  • تعليق
  • مشاركة
  • 0