عن عباس المفرجي

صحفي ومترجم عراقي. عضو نقابة الصحفيين العراقيين...

عن ألبرتو مانغويل

مؤلِّف موسوعيّ مشهود له عالمياً ومترجم وكاتب مقالات وروائي.. حازت كتبه جوائز عديدة وكانت الأكثر مبيعاً. ولد في بوينس آيرس، وانتقل إلى كندا سنة 1982، ويعيش الآن في فرنسا حيث عيِّن مديراً لهيئة الفنون والآداب...

كتب أخرى لـِ ألبرتو مانغويل، عباس المفرجي


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


يوميات القراءة .. تأملات قارئ شغوف في عام من القراءة (229 صفحة)

عن: دار المدى للثقافة والنشر (2008)

رقم الايداع : 9782843059384
الطبعة : 1
أضافه : Mahmoud El-Shafey
التصنيفات : فنون

ذلك إننا يجب أن نسعى بجهد إلى معنى كل كلمة وكل سطر، لأننا نفترض دائماً أن هناك مهنى أكبر من الاستعمال الشائع الذي تتيحه لنا الحكمة والشجاعة وسماحة النفس التي نتحلى بها. نبذة المؤلف:هناك كتب نتصفها بمتعة ناسين الصفحة التي قرأناها ما أن ننتقل إلى الصفحة التالية. وكتب نقرأها بخشوع دون أن نجرؤ على الموافقة أو الاعتراض على فحواها. و أخرى لا تعطي سوى معلومات ولا تقبل التعليق. وهناك كتب نحبها بشغف ولوقت طويل، لهذا نردد كل كلمة فيها لأننا نعرفها عن ظهر قلب. القراءة عبارة عن محادثة، تماماً مثلما يبتلى المجانين بحوار وهمي يتردد صداه في مكان ما في أذهانهم، فإن القراء يتورطون أيضاً بحوار مشابه، يستفزهم بصمت من خلال الكلمات التي على الصفحة. في الغالب لا يدون القارئ ردود أفعاله، لكن أحياناً تنتاب قارئ ما رغبة بإمساك القلم والتواصل مع هذا الحوار بكتابة الهوامش على النص. هذا التعليق، هذه الهوامش، هذه الكتابة الظل التي ترافق أحياناً كتبنا الأثيرة توسع من النص وتنقله إلى زمن آخر، وتجعل من القراءة تجربة مختلفة وتضفي واقعية على الأوهام التي يرويها لنا الكتاب، ويريدنا (نحن قرائه) أن نعيشها. قبل سنتين مضت، وبعد بلوغي الثالثة والخمسين، قررت أن أعيد قراءة بعضاً من كتبي القديمة المفضلة. وقد دهشت مرة أخرى أن ألاحظ كيف تبدو هذه العوالم المتراكمة والمعقدة من الماضي انعكاساً للفوضى السوداوية التي يحياها عالمنا الحاضر. قد يلقي مقطعاً في رواية الضوء فجأة على مقالة في صحيفة يومية، ومشهد معين يمكن له أن يستعيد حادثة شبه منسية، وكلمات قليلة يمكن أن تكون باعثاً لتأملات طويلة. لهذا قررن أن أسجل مثل هذه الملاحظات. خطر لي حينها أن أ‘يد قراءة كتاب واحد كل شهر، وربما بعد سنة أكون قد أكملت شيئاً هو هجين من المذكرات الشخصية والكتاب العادي: مؤلف يشتمل على ملاحظات وتأملات وأدب رحلات، وصور وصفية لأصدقاء ولأحداث عامة وشخصية مستلهمة كلها من قراءاتي. لقد وضعت قائمة بالكتب التي سأختارها. بدا لي من المهم، ومن أجل التوازن، أن يكون هناك قليل من التنوع من كل شيء (وبما أنني قارئ انتقائي، فإن هذا الأمر لم يكن صعباً). القراءة فعل مريح، منعزل، هادئ وحسي، سابقاً تقاسمت الكتابة بعض هذه الميزات، لكنها في الوقت الحاضر اكتسبت شيئاً من صفات المهنة القديمة للبائع المتجول أو ممثل الفرجة، فالكتاب يدعون من أمكنة بعيدة لتمضية ليلة عابرة، وبدلاً من أن يبيعوا فراشي التواليت أو مجلدات دائرة المعارف فإنهم يطرون على فضائل كتبهم الخاصة. بدافع هذه الموجبات أساساً، وجدتني أسافر إلى مدن مختلفة، لكني كنت دائماً مسكوناً برغبة العودة إلى بيتي في القرية الفرنسية الصغيرة حيث كتبي وعملي. يفترض علماء الطبيعة بأن الكون قبل نشوئه كان في حالة طاقة كامنة، حيث لا وجود للزمان والمكان –(في ضباب الإمكانية) كما يحلو لمعلق ما أن يدعوها- إلى أن حدث الإنفجار العظيم. هذا الوجود الكانت يجب أن لا يفاجئ القارئ، الذي يكون كل كتاب بالنسبة إليه كائناً في حالة من الغموض حتى تبادر اليد إلى فتحه والعين إلى مطالعته وتوقظ الحياة في الكلمات. الصفحات القادمة هي محاولتي لتسجيل مثل هذه الإيقاظات.


  • الزوار (1,438)
  • القـٌـرّاء (7)
  • المراجعات (4)
ترتيب بواسطة :

يخوض ألبرتو مانغويل في كتابه ( يوميات القراءة: ترجمة عباس المفرجي، ومن إصدارات دار المدى/ دمشق 2008 ) تجربة فريدة في طريقة وكيفية القراءة. ومن ثم الكتابة عمّا قرأ، وذلك بالعودة إلى اثني عشر كتاباً سبق له وأن قرأها منذ زمن بعيد. ليعيد قراءتها ثانية بتوزيعها على اثني عشر شهراً ــ كتاب واحد لكل شهر ــ مع تدوين ملاحظات وانطباعات وأفكار عنها في شكل يوميات. وفي الغالب يختار تلك الكتب الممعنة في غرائبيتها وخياليتها ليدخلنا إلى عوالمها.. بادئاً بكتاب ( اكتشاف موريل ) لأدولفو بيوي كاسارس، والذي يحكي عن "رجل ينزل في جزيرة يكتشف أنها مسكونة بالأشباح".

لماذا هذا الرجوع إلى القصص القديمة، والكتب التي اطلع عليها في سني مراهقته وشبابه؟ أهو استعادة لنكهة أيام مضت.. للأزمنة السعيدة التي ولّت وإلى الأبد؟. يعلمنا أن الكتاب الثاني الذي سيحدثنا عنه هو رواية ( جزيرة دكتور مورو ) لمؤلفها أتش. جي. ولز، يملك نسخة منها مذ كان في الثانية عشرة. والكتاب هدية من صديق بمناسبة عيد ميلاده. وقد قرأه في العطلة الصيفية، وكان ذلك صيفاً سعيداً على حد قوله: "قارئ عذري. في ذلك الصيف عشت... بضعة أيام سعيدة، لم أكن أعرف شيئاً عن قصة هذه الجزيرة، وكنت خائفاً من هذا الشخص الغريب الأطوار الذي يدعى دكتور مورو". ثم يمضي مع كتب لكبلنغ وشاتوبريان وكونان دويل وغوته وسرفانتس ودينو بوتزاتي وساي شانغون وبراس كوباس.. ونكتشف أن إحساساً بالفقدان يمض روح مانغويل ويجعله يتميز غيضاً وهو يرى الأشياء تبتعد.. وتفاجئه هذه التغيرات القاسية كلها فيما هو يتمنى أن يكون أصدقاءه معه دائماً، والمكان الذي يحب يرغب أن يبقى كما هو. لعلّه ظلَّ يبحث عن تعويض نفسي ومعنوي عن أصدقاء رحلوا، وأشياء وأمكنة غادرته إلى غير رجعة، لائذاً بالقراءة، ولاسيما قراءة الكتب التي كان قد قرأها قبل سنوات ليست قليلة. فالقراءة توقظ في المرء نوستالجيا من نوع ما.. حنيناً إلى أمكنة ضائعة، يمكن أن يستعيدها فقط، من بين سطور الكتب.

ويوميات مانغويل تبدأ في حزيران 2002 حيث نُذر الحرب على العراق تختلج في الأفق. وهكذا تبقى أخبار التحضيرات للحرب ومن ثم شن الهجوم العسكري واحتلال العراق وسقوط نظام صدام في خلفية هذه اليوميات. ويعلن ( مانغويل ) بغضه ورفضه للحرب على الرغم من بغضه ورفضه الشديدين لصدام ونظامه. ويذكرنا ببودريارد وهو يتحدث، بتخريج ما بعد حداثي، عن حرب الخليج ( 1991 ) التي لن تقع، لأن ما تقوله الصور التلفزيونية والخطاب الإعلامي هو غير ذاك الذي يحصل على الأرض.. يقول مانغويل: "شظايا الأخبار عن الحرب الوشيكة تتناوب بكثرة. صور تلفزيونية بلا معنى تعرض مشاهد رتيبة في الصحراء ، وتجمعات غير واضحة من الجنود. وأنا أتنقل بين القنوات استحوذ عليّ شعور مقزز من التفكك، من الشظايا، التي لا ينجم افتقارها إلى المعنى من واقع أنها شظايا أو قطع، بل من واقع أنها تنتمي إلى كل مفكك". ويلخص المأساة العراقية بمقولةٍ لصديق له ( عراقي ): "أي خيار محتمل لنا بين وحشية صدام، وتطرف القيادات الدينية، والنهم الاقتصادي للولايات المتحدة؟ خياراتنا بين قطع الرأس أو الرجم بالحجارة أو أن نؤكل أحياء".

في ذهن كل كاتب وهو يكتب قارئ افتراضي. والنقاد يحدثوننا عن قارئ ضمني. غير أن مانغويل في كتابه آنف الذكر يتكلم عن القارئ الحقيقي الذي هو من لحم ودم.. عن تجربته قارئاً.. وفي عرفه فإن مغزى الحياة يكمن في القراءة التي تصبح استعارة لنمط فذ من العلاقة مع النفس والعالم حين يكون الاثنان ( النفس والعالم ) في موقع المرصود.

عرّف سارتر، وبشيء من السخرية، المثقف بأنه الشخص الذي يدس أنفه فيما لا يعنيه.. أعتقد أن هذا التعريف ينطبق حرفياً على القارئ، ولاسيما القارئ المحترف.. القارئ الذي هو فضولي ومتلصص ويراقب من ثقب الباب برغبة متسلطة في انتهاك حرمات وأسرار الآخرين والتقاط عريهم الخاص.. بهذا المعنى يشبه القارئ بطل رواية ( الجحيم ) لهنري باربوس، ذلك اللامنتمي الذي وجد ثقباً في الجدار الفاصل بين غرفته المؤجرة والغرفة المجاورة في نُزل ما.. وهكذا بقي يمضي ساعات طويلة مراقباً الناس العابرين في تلك الغرفة من غير أن تكون لهم أدنى فكرة عمّن يراقبهم.. إنهم مفضوحون أمام عينيه من غير أن يعرفوا.. وهذه حال شخصيات الورق.. شخصيات الدراما والسرد، يعيشون حيواتهم الخاصة من غير أن يفكروا بأنهم كائنات معروضة، على الدوام، للقراءة، للتعرية.

ما يربط مانغويل بالكتب هو علاقة توله وعشق وانسحار.. قد نقول أنها علاقة حميمة، لكنها أكثر من هذا حتى.. إنها علاقة ممتدة لا تنقطع في أية لحظة.. يقول: "يبدو لي أن الكتب المكوّمة بجانب سريري تقرأ نفسها لي بصوت عال أثناء نومي". هنا القراءة تغدو إدماناً من نوع ما.. وأحياناً، هَوَساً مرضياً.. شيئاً يتصل بوظائف الجسد.. حاجة بيولوجية مثل تناول الطعام والماء، أو بالأحرى مثل التنفس.

مانغويل لا يقرأ فقط، بل يعي، في كل لحظة، وضعه ودوره ووظيفته قارئاً.. إنه عاشق بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكن للكتب.. إنه مثل دون جوان يعجبه أن يسرد لنا مغامراته مع معشوقاته التي هي الكتب.. وأستطيع القول أن مانغويل القارئ هو شخص مركّب من دون جوان ودون كيخوته. فيه أشياء منهما، كلاهما.

يبحث دون جوان عن ذاته في حب مرتقب.. حب مستحيل.. إنه طوال الوقت، في حكايات عشقه، يقرأ ذاته ويقرأ معشوقته علّه يقع على المعنى الأخير ( النهائي ) الذي يفلت منه في كل مرة، ليعاود، من ثم، مغامرته مع واحدة أخرى. وكأن ذلك المعنى ليس إلاّ وهماً محضاً يلاحقه في شكل وساوس وهلوسات.. وكأنه سيزيف مضطراً، مرة بعد أخرى، إلى حمل صخرته، ولكن بمتعة مازوخية، وبإرادته الحرّة..

أهي حرة حقاً؟. وهل يستطيع من تمكن منه إبليس القراءة أن يكف عن القراءة في أي ظرف؟.

كان دون كيخوته ضحية قراءاته بعدما صيّرته قصص الفروسية شخصاً مختلفاً وأضرمت فيه الرغبة في أن يكون فارساً يعتقد أنه منذور لتصحيح أخطاء المجتمع في الوقت الذي لم يعد هناك فرسان، ولم تعد قيم الفروسية تحرّك أحداً... مارس دون كيخوته هربه بطريقته الخاصة.. هرب من الواقع إلى الوهم، وحاول أن يسحب ما مضى، بقوة المخيلة، ليجعله بديلاً عن واقع له سطوة ضارية، ولهذا كان فشله محتماً. كأن ذلك ترجيع لملاحظة ستيفنسون: "مهمتنا في الحياة ليست هي النجاح، بل مواصلة الفشل بكل مرح ممكن".

ما يدفع دون كيخوتة للخروج إلى العالم الخارجي من أجل تقويمه ليس البحث عن المجد وإنما المبدأ الأخلاقي القائم على حس العدالة، على دراية مؤلمة بأن العدالة مفقودة في هذا العالم. والقارئ، ليس ديدنه المجد بأي حال، وإنما هو دون كيخوته الممسوس بحنينه إلى عالم يستبدل، بفعل الزمن بعض قيمه ويفقد حسّه بالعدالة، وكثيراً من سحره. إذن، فالقارئ، أيضاً، عليه أن يحارب طواحين هوائه الخاصة.

مع مانغويل يتحول الكتاب ذاته إلى علّة أولى، إلى مصدر ومنبع، إلى خالق. والعالم نفسه يبدو وكأنه خارج من كتاب أو صورة في كتاب، أو منعكس عن كتاب. لنتأمل وصفه هذا: "المظهر الأوربي لفندق باليسير في كالغاري، يبدو في غير محله، في هذا المحيط الغرب الأوسطي،يبدو كأنه خارج من كتاب لهنري جيمس. على كرسي منجد بالقطيفة بمسندين وسط نخلات مزروعة في أواني كبيرة، أنتظر سيارة تقلني إلى ( بانف ) مراقباً الشخصيات وهي تدخل وتخرج من قصة".

ليس هذا وحسب، وإنما أحياناً حتى المؤلف يغدو مخلوق كتابه، مثل سرفانتس الذي أبدع رواية ( دون كيخوته ) إلى الحد الذي اكتسبت معه الرواية من القوة بحيث ظهرت معها كما لو أنها هي التي أوجدت مؤلفها سرفانتس وليس العكس.. يقول مانغويل: "معظم الكتّاب لهم وجود تاريخي، ليس الأمر كذلك مع سرفانتس، فهو في ذاكرتي شخصية من ( دون كيخوته ) أكثر منه رجل حقيقي. غوته، جين أوستن، ديكنز، نابوكوف من الممكن تمييزهم على أنهم كتّاب من لحم ودم، أما سرفانتس فيبدو لي أنه أُبتدع من خلال كتابه".

أي الكتب تجذبنا، وتستدرجنا إلى متاهاتها؟ لا شك هي تلك التي تُرضي أفق توقعنا.. تلك التي نجد فيها أصداء من تجاربنا الشخصية.. تلك التي توافق أمزجتنا.. تلك التي تجعلنا نتمنى لو كنا نحن كتّابها.. تلك التي نشعر بأنها، بطريقة ما، امتداد لمخيلاتنا.. لن نستمر في القراءة ما لم نجد صلة بيننا وبين الكتاب الذي نقرأ.. يقول مانغويل: "من أجل أن يستهوينا كتاب ما، ربما عليه أن يقيم رابطة من الاتفاق العَرَضي بين تجربتنا وتلك التي في القصة أو الرواية، اتفاق بين مخيلتين، مخيلتنا وتلك المدونة على الورق". كل قارئ يلتقط شيئاً خاصاً من الكتاب الذي يقرأ.. شيئاً يتناغم مع هذا المزيج المعقد المكوّن من عقله ومزاجه ومشاعره وأهوائه وتحيزاته وموجِّهاته وذائقته.. إنك أمام خيارات واسعة لست مضطراً لقراءة كتاب تنفر منه ذائقتك.

إننا نتجلى في القراءة. وأفضل الكتب هي تلك التي تُرينا بعض مضمراتنا وخبايانا التي نسيناها ربما، أو التي ما كنا نعرف بها أصلاً.. القراءة هي طريقة أخرى، أو هي أحسن الطرق للتعرف على الذات.

منذ اللحظة التي تتعلم فيها القراءة لن تعود بريئاً.. القراءة تورط لذيذ في أحابيل الوجود.. محاورة، ليست مع الكلمات وحسب، بل مع الحياة بألغازها التي لا تحصى.. يعرّف مانغويل القراءة هكذا: "القراءة عبارة عن محادثة، تماماً مثلما يُبتلى المجانين بحوار وهمي يتردد صداه في مكان ما في أذهانهم، فإن القرّاء يتورطون أيضاً بحوار مشابه، يستفزهم بصمت من خلال الكلمات التي على الصفحة". حقاً؛ القراءة محادثة، لكنها أكثر من محادثة كذلك. أو هي محادثة مركّبة، متعددة الأبعاد والأصوات.. شخصياً، مع كل قراءة جيدة أجدني في حوار مع آخر، أو آخرين.. القراءة الحقيقية بوليفونية.

يصبح القارئ شريكاً في الكتاب الذي قرأه. والكتب الممتازة التي قرأناها نحس بصلة قربى معها، كما لو أنها لم تعد فقط مُلك كتّابها. والكتاب الذي يترك شيئاً منه في وجداننا نترك فيه شيئاً منا.. الكتاب قبل أن أقرأه ليس هو عينه الكتاب بعد فراغي من قراءته.. لقد حاورت مؤلفه ومخلوقاته وشاطرتهم بعض أفكارهم ومشاعرهم وحقّ لي أن أحس في قرارتي بأن الكتاب الذي قرأته لتوّي صار جزءاً من ميراثي، ومن ممتلكاتي. وحقّ لي، ربما، أن أكتب اسمي إلى جانب اسم مؤلفه، على غلاف النسخة الخاصة بي مثلما "يعتقد ماتشادو دي آسيس ( كما يعتقد ديديرو وبورخس ) أن صفحة العنوان في أي كتاب يجب أن تحمل اسم المؤلف واسم القارئ معاً، بما أنهما يتقاسمان أبوّته".

هذا الكتاب يعني أولئك المهووسين بالقراءة، المولعين بملاحقة الحروف السود المطبوعة على الصفحة البيضاء، الذين تفتنهم خرير تقليب الصفحات، وذلك العطر السرّي النفاذ الذي ينبعث من كل كتاب يهمّون بفتحه، بلهفة ورهبة. إذ يحمل الكتاب وعداً بسعادة عميقة غامضة، بارتباط حميمي دافئ، بإمكانية خوض مغامرة مفعمة بالإثارة والمتعة والانشداه.

استطاع عباس المفرجي وهو يترجم ( يوميات القراءة ) أن ينقل لنا نبض يوميات مانغويل وإيقاعها.. ذلك التقطيع وإعادة النسج، وتلك الانتقالات في الأفكار والاقتباسات والانطباعات. وكذلك الانقطاعات، والفراغات المتروكة، والهوامش التي تغني الموضوع وتعززه، أي روح هذا الجنس الأدبي المسمّى بـ ( اليوميات ) الذي له قوانينه، وأيضاً فسحته الواسعة الحرّة.


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

استعادةُ «يوميات القراءة» لألبرتو مانغويل، تذكّرنا بتلال الهراء الذي نبني فوقه ما نتخيل أنه أمّهات النصوص والكتب,

تلك الخردة المستوردة من القرون الماضية تحوّلت مع الزمن إلى تراث من الصعب أن يكون مكافئاً لفرضيات صاحب «قاموس الأماكن الوهمية» حين استعاد بشغف عادات القراءة، ثم تعامل مع الكتب كأنها أشخاص حقيقيون يمكن أن يحردوا أو يبتهجوا ويهللوا إذا ما همَّ بقراءتهم بحبّ!.

مع الوقت، تتحول الكتب إلى كائنات إذا ما كان المرء شغوفاً بالقراءة، ويستطيع تالياً أن يحادثها أو يعيد قراءتها كي يسترجع لحظات محددة، أو ربما سماعها تناديه في الليل كما يقول مانغويل، عندما تركها مخزّنة في مكان ما لفترة طويلة، لكنه لاحقاً استعادها، وبقي يقضي معها الوقت الطويل، مغموراً بالصور ومقاطع النصوص والاقتباسات العشوائية والعناوين والأسماء.

إنها القراءة بحب، هي ما تحتاجه المخيّلات، يقول النقد وهو يحزّ بمبضعه القاسي على الجسد المريض: المخيلةُ معتلّة، وتحتاج أسطوانات من الأوكسجين لن تحضر إلا بالقراءات النقية العالية. وإذا ما قلنا بمصطلح «الكتابة الثانية» الذي  تحدث عنه الدكتور منذر عياشي في كتابه عن ثنائية القراءة والكتابة، فإن المتع التي يمكن الحصول عليها اليوم نادرة جداً، في ظل محدودية الإبداع في الكتب والنصوص التي تطبعها الصحف ودور النشر!. هل تحوّل الكتّابُ إلى معقّبي معاملات؟ يتساءل النقد وهو يضع أكياس السيروم فوق الشراشف الزرق!.

ما يؤكد صوابية التوصيف النقدي في «يوميات القراءة» وعدم امتلاكنا لطقوس وعلاقات طيبة مع الأفكار والكتب، هو كتابة «الدايت» التي تملأ المخازن والبسطات وأعمدة الصحف، كتابةٌ لا جسد فيها سوى الحطام المهشّم بطريقة عشوائية وهجينة، تجعلنا نتمنى العثور على رفيق يشبه «الأدب الممنوع عبر أربعة قرون» ليورغديتر كوغل، وفيه يجتمع عدد كبير من المؤلفين في إضاءات على أدباء مثلوا أمام المحاكم عقاباً على المشاعر والأفكار والكلمات!.

نحتاج دفاتر مذكرات ليوميات يمكن أن ننشئها أثناء القراءة، لكن الأمية تعصف بالمشهد وتجعل من الصعب أن يشقّ القراء عصا الطاعة على كتب بعينها، كأنهم رسموا دوائر محكمة الإغلاق وراحوا يدوخون من شدة سحر الكلمات الدائرة في هذه «المجرة» التي تتسع متراً مربعاً فقط!. يقول مانغويل إنه استعاد أشعاراً لبدر شاكر السياب كانت تتطابق مع تلك الحالة من الانطواء والانعزال مع الكتب:

«حجرتي الجديدة واسعة/ أوسع بأي حال/ مما سيكون عليه قبري»

«هناك كتب نتصفحها بمتعة، وأخرى نقرؤها بخشوع» يقول مانغويل. كتبٌ ننسى صفحاتها بمجرد أن نغلق الكتاب، وأخرى نعود إليها بعد عشرات السنين كي نشعر بالمتعة التي عصفت بنا في القراءة الأولى. «كتب نحبها بشغف ولوقت طويل، لهذا نردد كل كلمة فيها لأننا نحفظها عن ظهر قلب»، يضيف ألبرتو وهو في طريقه إلى بيونيس آيرس حاملا كتاب «أدولفو بيويكاسارس» عن الرجل المصدوم في جزيرة اكتشف أنها مسكونة بالأشباح، وكان قد قرأ هذا الكتاب منذ ثلاثين عاماً وهو يحنّ إليه الآن!. فهل نحنّ؟. 


  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

كتاب آخر عن القراءة لقارئ حقيقي هو البرتو مانغويل، تعرفنا عليه ـ في العربية ـ في كتابه السابق «تاريخ القراءة»، ويواصل فيه وصف علاقة العشق التي تربطه بالكتاب، خلال رحلة بين الكتب الأثيرة، نطالع فيها «تأملات قارئ شغوف في عام من القراءة»، وهذا هو العنوان الفرعي الذي يحمله الكتاب. كتب قرأها حين كان يافعا، فقرر اعادة قراءتها خلال عام واحد، اثنتا عشرة رواية من الروايات المفضلة، واحدة في كل شهر. لم تكن كل هذه الكتب من الأعمال الأدبية الهامة، لكنه اختارها لأنها منحته ، في قراءاته الأولى، متعة فريدة وارتبطت بتجربته الشخصية، وأغلبها من الأعمال الكلاسيكية، من تلك الكتب التي عادة ما تسمع الناس يقولون انهم يعيدون قراءتها، ولا تسمعهم يقولون انهم يقرأونها، حسب تعبير كالفينو. يبدأ مانغويل «يوميات القراءة» في شهر حزيران عام 2002، في طريقه الى مسقط رأسه بوينس ايرس، مع مواطنه الروائي الأرجنتيني ادولفو بيوي كاسارس وينهيها في ايار من السنة التالية مع ماشادو دي اسيس. ومثل ريلكه ـ الذي يتحدث عنه كقارئ في «تاريخ القراءة» ـ فإنه يرى النص «كمكان اسقاطي لمشاعرنا الشخصية وكلعبة لظلال انفسنا»، فهو حين يسجل انطباعاته الشخصية على الكتب التي يعيد قراءتها فإنه يرى فيها «انعكاسا للفوضى السوداوية» التي تسود عالمنا، كما في الانهيار الاقتصادي في الأرجنتين عام 2001 والحرب في العراق عام 2003 . وهو اذ يسافر الى مدن مختلفة خلال العام، فإنه يدون افكاره عن القراءة وعن المكان الذي يقرأ فيه ساعيا لإيجاد رابط لقراءاته هذه مع الحياة اليومية، حيث شاء لكتابه ان يكون، كما يورد في المقدمة، هجينا من المذكرات الشخصية والكتاب العادي. يقودنا مانغويل في «يوميات القراءة» في رحلة اكتشاف الى المدن التي يسافر اليها حاملا معه كتابه الأثيرين: كبلنغ وغوته وسرفانتس وبوتزاتي ، راويا الذكريات التي تستدعيها كتبهم ، وعلاقته مع الكتب التي تضمها مكتبته، الذي يسكنه دائما هاجس العودة اليها والى بيته في فرنسا خلال تطوافه. نتعرف على شخصياته الأدبية الأثيرة، وعلى روايات الخيال العلمي والروايات البوليسية التي بدأ بها قراءاته في الطفولة. في هذا الكتاب يتحدث مانغويل عن الحنين لتلك القراءة العذرية، أو كما يدعوها «القراءة الساذجة»، الحنين لقراءاتنا الأولى، حيث كنا نجهل ما سنقرأ لاحقا، لهذا فهو لا يروي لنا حبكة الروايات التي يقرأها، كي لا يفسدعلينا «متعة الجهل». وهنا فصل من الكتاب: هناك كتب نتصفحها بمتعة ناسين الصفحة التي قرأناها ما أن ننتقل الى الصفحة التالية. اخرى نقرأها بخشوع دون ان نجرؤ على الموافقة او الاعتراض على محتواها. وأخرى لا تعطي سوى معلومات ولا تقبل التعليق. وهناك كتب نحبها بحنان ولوقت طويل، لهذا نردد كل كلمة فيها لأننا نعرفها عن ظهر قلب. القراءة عبارة عن محادثة. مثلما يبتلى المجانين بحوار وهمي يتردد صداه في مكان ما من اذهانهم، لأن القراء يتورطون ايضاً بحوار مشابه يستفزهم بصمت من خلال الكلمات التي على الصفحة. في الغالب لا يدون القارئ ردود افعاله، لكن احياناً تنتاب قارئ ما رغبة بإمساك القلم والتواصل مع هذا الحوار بكتابة الهوامش على النص. هذا التعليق، هذه الهوامش، هذه الكتابة الظل التي ترافق احياناً كتبنا الاثيرة توسع من النص وتنقله الى زمن آخر، تجعل من القراءة تجربة مختلفة وتضفي واقعية على الاوهام التي يخبرنا بها الكتاب ويريدنا (نحن قراءه) ان نعيشها. قبل سنتين مضت، وبعد بلوغي الثالثة والخمسين قررت ان اعيد قراءة بعض من كتبي القديمة المفضلة. وقد دهشت مرة اخرى، حيث الاحظ كيف تبدو هذه العوالم المتراكمة والمعقدة من الماضي انعكاساً للفوضى السوداوية التي يحياها عالمنا الحاضر. قد يلقي مقطع في رواية فجأة الضوء على مقالة في صحيفة يومية، ومشهد معين يمكن له ان يستعيد حادثة شبه منسية، وكلمات قليلة يمكن لها ان تحث على تأملات طويلة. لهذا قررت ان اسجل مثل هذه الملاحظات. خطر لي حينها بأن اعيد قراءة كتاب واحد في كل شهر، ربما بعد سنة اكون قد اكملت شيئاً هو هجين من المذكرات الشخصية والكتاب العادي: مؤلف يشتمل على ملاحظات وتأملات وأدب رحلات، وصور وصفية لأصدقاء ولأحداث عامة وشخصية مستلهمة كلها من قراءاتي. لقد وضعت قائمة بالكتب التي اخترتها. بدا لي من المهم، ومن اجل التوازن، ان يكون هناك قليلاً من التنوع من كل شيء (وبما اني قارئ انتقائي، لأن هذا الامر لم يكن صعباً). القراءة هي فعل مريح، منعزل، هادئ وحسّي. سابقاً تقاسمت الكتابة بعض هذه الميزات، لكنها في الوقت الحاضر اكتسبت شيئاً من صفات المهنة القديمة للبائع المتجول او ممثل الفرجة، فالكتّاب يدعون من أمكنة بعيدة لتمضية ليلة عابرة، وبدلاً من ان يبيعوا مجلدات دائرة المعارف فإنهم يطرون على فضائل كتبهم الخاصة. بدافع هذه الواجبات بالأساس، وجدتني اسافر الى مدن مختلفة، لكني كنت دائماً مسكوناً برغبة العودة الى منزلي في القرية الفرنسية الصغيرة حيث هناك كتبي وعملي. يفترض علماء الطبيعة بأن الكون قبل نشوئه كان في حالة طاقة كامنة، حيث الزمان والمكان لا وجود لهما ـ "«في ضباب الامكانية»، كما يحلو لمعلق ما ان يدعوها ـ الى ان حدث الانفجار العظيم. هذا الوجود الكامن لا يجب ان يفاجئ القارئ، الذي يكون كل كتاب بالنسبة اليه كائناً في حالة من الغموض حتى تبادر اليد الى فتحه والعين الى مطالعته وتوقظ الحياة في الكلمات. الصفحات القادمة هي محاولتي لتسجيل مثل هذه الايقاظات. 2002ـ حزيران ـ السبت لم يمض على اقامتنا في فرنسا سوى اكثر من عام بقليل. والان علي ان اسافر الى بوينس ايرس لزيارة عائلتي هناك. ليس بي رغبة للذهاب، اريد ان اتمتع بفصل الصيف في القرية وفي حديقتي وفي البيت الذي يظل بارداً في موسم الحر بفضل جدرانه السميكة القديمة. اريد ان انضد كتبي في رفوفها التي بنيناها حديثاً. ارغب ان اجلس في غرفتي كي اعمل. في الطائرة تناولت نسخة من كتاب ادولفو بيوي كاسارس «اكتشاف موريل»، حكاية رجل ينزل في جزيرة يكتشف انها مسكونة بالاشباح. كتاب قرأته للمرة الاولى منذ ثلاثين او خمسة وثلاثين عاما. هذه هي زيارتي الاولى لبوينس ايرس منذ أزمة كانون الاول عام 2001، حينما تم فك عملة البيزو عن الدولار، الامر الذي ادى الى انهيار الاقتصاد وافلاس آلاف الناس. في وسط المدينة لا يبدو للعيان ما يشير الى الكارثة سوى في حشود الكارتونيروس ـ رجال ونساء واطفال يملأون الشوارع، قبل هبوط الليل، هاربين من الجوع في جمع القمامة من ارصفة الشوارع ـ. ربما اغلب الازمات الاقتصادية لا تكون دائماً واضحة للعيان اذ ليس هناك من مشاهد تثير الشفقة تساعدنا على ان نرى الخراب. معظم المحلات مغلقة، ويبدو الناس منهكين، والاسعار تجاوزت الحدود، لكن على العموم تأخذ الحياة مسارها فالمطاعم ممتلئة، ولا تزال المحلات تكدس في مخازنها البضائع المستوردة الغالية. مع هذا سمعت مصادفة امرأة تشكو قائلة: «لا استطيع العثور على اسيتو بالساميكو في اي مكان»، والمدينة تبقى صاخبة الى ما بعد منتصف الليل. لا يمكنني ان ارى بعين سائح، في مدينة كانت في يوم مدينتي، تكاثر احياء الصفيح ولا المستشفيات التي تفتقر الى التجهيزات الطبية، ولا الافلاس، ولا الطبقة الوسطى وهي تنضم الى جموع الفقراء الواقفين بالدور للحصول على حساء الدجاج. اراد اخي ان يشتري لي تسجيلاً جديداً لترنيمة باخ. وقفنا عند خمس آلات لصرف النقود قبل ان نعثر على واحدة منّت علينا ببضع ورقات. سألته ماذا سيحدث لو لم تكن هناك من آلة قادرة على الصرف، اجابني بأن هناك دائماً واحدة لديها ثقة سحرية بالناس. تبدأ «اكتشاف موريل» بعبارة، اصبحت الآن مشهورة في الادب الارجنتيني: «اليوم، وعلى هذه الجزيرة، حدثت معجزة». يبدو ان المعجزات في الارجنتين اصبحت ظاهرة يومية. راوي بيوي كاسارس: «هذه ليست هلوسات او اوهاماً: أناس حقيقيون فحسب، على الاقل حقيقيون مثلي انا»،حسب بيكاسو، لأن كل شيء كان معجزة، وهذه كانت معجزة لم يتمكن المرء من حلها في حمامه.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

لفت انتباهي صديق مثقف ، أثق بملاحظاته الى كتاب ، البرتو مانغويل " يوميات القراءة " وهي تأملات قارئ شغوف في عام من القراءة ، ترجمة الأستاذ عباس المفرجي ، وهذا واحد من الكتب التي حرصت على التباطؤ بقراءتها ، لأني أريد فضاء اكبر من المتعة والدهشة ، فوجدت نفسي في فخر يوم أعود إليه حتى انتهيت منه ، وكنت سعيداً ولم اشعر بشيء من الخسران لأني حصلت على كتاب أخر له من القاهرة " تاريخ القراءة " من بغداد " المكتبة في الليل ". " يوميات القراءة " خبرة في التلقي والتقاط ما هو جوهري في القراءات التي لا يتركها مانغويل بعد أحدى يومياته ، بل تظل كامنة ، تختفي ، وبعد أيام يعود إليها ، لان يومية جديدة تنمو على الرغم من قصرها وتستحضر بعضاً من تلك اليومية . وأكثر ما هو في يوميات مانغويل علاقته الحقيقية والعميقية مع غوته وسرفانتس وكافكا ، كان لهم حضور ساحر ، مثير للدهشة والانبهار وكانت هذه الأسماء متمركزة لا تغادر نهائياً ، بل يستدعيها لحظة ما يكون الاستدعاء ضرورياً وملهمها له كي يكتب جملة مركزة ، ومشحونة بالتوتر . توصل مبدع مثل مانغويل لمفهوم خاص  به عن القراءة ، حيث تعامل معها بوصفها محادثة ، تماماً مثلما يبتلى المجانين بحوار وهمي يتردد صداه بمكان ما في أذهانهم ، فان القراء يتورطون أيضا بحوار مشابه . هذه العلاقة الحوارية المتبادلة بين مانغويل والكتب التي قرأها أول مرة او ثاني مرة ولاحق ملاحظاته عليها ، هي التي حفزته على تدوين يومياته القصيرة ، المركزة للغاية . لكني تيقنت بان مانغويل في " يوميات القراءة " اقترح نمطاً فريداً من العلاقة الثقافية مع الكتاب وشخوصه ومع مبدعه ودائماً ما كشف يومياته غير المذيلة بتواريخها ، مكتفياً بأيامها فقط ـ بأنه طرف حيوي في أنتاج مفهوم شخصي عن الكتاب الذي يقرأ أو عديد من المفاهيم التي لا يتركها سائبة ، او مكتفياً بإشارة لها ، بل يعاود استحضارها ، ويضيف إليها جوهرة أخرى من كتاب او قصة او رواية كلاسيكية ، هذه السياحات خارجة عن النسق الزمني ، حتى يوفر لنفسه حرية ويطوف وسط فضاءات واسعة ويغور في أعماق التاريخي ، ليضع نصاً قصيراً مجاوراً يكمل النص المختار من مصدر ثقافي معاصر . وكأن مانغويل معني بوحدة الفكر الإنساني والجهد الإبداعي والتناغم الموجود وبين المراحل والفترات التاريخية الطويلة . وما يثير الدهشة في هذا النمط من اليوميات هو الذاكرة اليقظة التي يتمتع بها هذا المبدع الكبير ، كذلك أنا أثق بان يومياته لم تكن آنية / ولحظية ، بل هي قصدية ، بمعنى خاضعة للاختيار والتسجيل ، وربما ضمن تصنيفات خاصة به ، لان مشروعه الخاص بالقراءة والمكون من أربعة كتب ، أخرها فنون القراءة ، هي نوع من علاقة فريدة بين ذاكرته وحساسيته في التقاط جوهريات ما يريد الوصول إليه كي يضيفه الى فضاء ما ، هو وحده يعرفه ، ومن اجل إيضاح هذه الملاحظة الفنية ، ذات العلاقة ببنائية اليومية ، استطيع الإشارة الى مانغويل معني بالعراق وبحضارة وادي الرافدين وتنوع مراحله التاريخية ، يستدعيها عندما يجد ضرورة ذات قيمة عالية ، لذا دائماً ما التقط ما يفيده من ذاكرته الخاصة بالعراق القديم ، واعني بذاكرته ما هو مدون عنه / العراق . لذا على سبيل المثال وردت أشارات متنوعة من خزانة العراق ، موزعة بين أهم ملحمة في تاريخه وبين العديد من الوقائع السياسية والدكتاتوريات في العالم ، حيث للعراق مكان متسع بينها . وهذه الخزنة العراقية تستحق مني مقالاً بعد ما انتهي من هذا النمط الإبداعي الحاضن لكثير من الملاحظات والالتقاطات عن العراق  . واعتقد بان هذا النوع من العلاقة الثقافية المغايرة / والمختلفة عن المألوف لنا منذ عشرات السنين متآتية من كونها ـ القراءة ـ فعل مريح ، منعزل ، هادي وحسّي . وقبل ان يدخل في جمال يومياته وعمقها ومتشاكل بعضها مع العديد منها ، ( لكنه تشاكل خاطف ، وتداخل شعري فيه من السحرية الأخاذة ) قال رأياً في غاية البلاغة والفصاحة والقدرة على الانفتاح على ما هو غير متوقع ، وكثيراً ما تتوفر القراءة على مثل هذا وسأستعير أخر ما قاله في مقدمة " يوميات القراءة " التي تبدّت لي بأنها اختصار فريد من نوعه ، وتركيز لأبتداء لحظات غير معاشه منحها روحه وكيانه ، كي تصطف متجاورة مع السطور القليلة التي كتبها ليومياته التي هي اقصر ما عرفت في هذا المجال وأرجو أن لا يستغرب القارئ من ملاحظاته المثيرة للدهشة عندما أشار للعالم الهيولي ، حيث لا زمان ولا مكان وعلاقة ذلك بتحقق ملحمة الخلق والتكوين ومن حقي ان افترض التكوين السومري ، لأنه أول هذه الملاحم في عتبات التاريخ الإنساني . هذا التحول والانفجار هو الكاشف عن أسرار النشوء الجديد الذي لا يختلف عن تكونات نشوء جديدة خلقتها القراءة . قال مانغويل : حدث الانفجار العظيم . هذا الوجود الكامن يجب أن لا يفاجئ القارئ ، الذي يكون كل كتاب بالنسبة إليه كائناً في حالة من الغموض حتى تبادر اليد الى فتحه والعين الى مطالعته وتوقظ الحياة في الكلمات . الصفحات القادمة هي محاولتي لتسجيل مثل هذه الايقاظات ص7 لاعترافات مبدع كبير ، وليس رجل لاهوت مثل القديس او غسطين ، وليس صعباً أدراك ايقاظات محاولاته في الكشف والالتقاط . وما يؤكد كلامي الذي ذكرته قبلاً ، عن الجهد في القراءة او أعادتها مرة أخرى وتدوين الايقاظات الصاعدة لحظة القراءة والإمساك بها في نظام خاضع لترتيب دقيق لها في سجل معين ، أنها قصدية مانغويل في الإعلان عن مهاراته وقد يوحي عنوان كتابه هذا بيومية الكتابة . لكن هذا أمر مستحيل بالنسبة لما نغويل الذي يكتفي بيومين او ثلاثة أيام في الأسبوع لتسجيل يومياته ، أنها ابداعته غير المختلفة تماماً عن تحققات إبداعات أخرى . ولأنه كما ذكرت مبدع من نوع خاص جعل من بعض يومياته حكايات ، طافحة بالمتعة والتسلية والتغذية بالثقافة والمعرفة ويحاول دائماً أشراك قارئ يومياته بالمجوهرات التي يلتقطها من يوميات غيره من الأدباء الكبار وكأنه يقصد ما يفعل بشكل جيد ، يريد نوعاً من التحادث معنا ، نحن الذين لا يعرف شيئاً عنا ، وهذا ما المح له في بداية يومياته ، عندما اعتبر القراءة نوعاً من المحادثة ، ولم يكتف بذلك بل ذهب لإيضاح تخيلاته عن المكتبة التي يربد ويحلم بها وقال في كتابة " مكتبة في الليل " : الشكل الذي اخترته ينشط عاداتي في القراءة ص 115 . لم يتجاهل البرتو مانغويل الزمن وحركته المستمرة وهو يعيش متعات الحياة العديدة ، وأكثرها القراءة . ويعلن عن نوع من الحزن والإحباط ، لأنه يرى ما هو محبب إليه يبتعد عنه يوماً بعد أخر " أرى التغيرات القاسية ، وكلما تقدمت في العمر ، كلما صارت التغيرات أسرع : أصدقاء فقدوا ، مناظر طبيعية تغدو ركاماً . أريد لأصدقائي ان يكونوا هنا دائماً ، اريد للمكان الذي أحب أن يبقى كما هو / ص 135. دائماً ما يظل مانغويل محتفظاً بما اندهش من قراءته . فتبقى كامنة ، ملتمعة ، تومئ بين فترة وأخرى ، بحيث تشكل هذه اليوميات عدداً من الحكايات ، تنمو بهدوء وتكبر متسعة وتحوز ما يجعل منها سردية حية / يقظة ، قابلة للاتساع وتكاد يوميات قراءة مانغويل ان تكون مجموعة من وحدات قليلة ، ظلت حاضرة ، متشجرة . وهنا مهارة هذا المبدع في صياغة مشتركات ، هو وحدة يعرف كيف يستحضر مكملات لها ، حتى تبقى سردية ماهرة . 

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0