عن علي بدر

علي بدر كاتب وروائي عراقي، حصل على شهرة واسعة النطاق بسبب رواياته وأعماله الأدبية. ولد في بغداد،وعاش فيها حتى انتقاله إلى أوروبا بعد ترجمة أعماله إلى لغات عديدة، دشن تيار ما بعد الحداثة في الرواية العربية، وأعماله وثيقة الصلة بحياته من جهة، ومن جهة أ..

كتب أخرى لـِ علي بدر


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

قرّاء هذا الكتاب يقرؤون أيضاً


thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

thumb

الكتاب على رفوف القـرّاء


مصابيح أورشليم (336 صفحة)

عن: المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2009)

رقم الايداع : 9953369097
الطبعة : 2
أضافه : الملك الشمس
التصنيفات : أدب

إدوارد سعيد في القدس، يرافقه يائيل وإيستر، وهما من أبطال روايات إسرائيلية، حيث يقودانه في المدينة التي غيرت الكولونيالية معالمها، فأصبحت غريبة على ساكنها المحلي. إيستر ويائيل مولودان في إسرائيل، وحالمان بدولة لا تتحقق أبداً: يائيل المؤمن بدولة إسرائيل يفقد إيمانه بسبب الحرب ثم يخون إيستر مع سائحة أمريكية (مثل بطل يهودا عميخاي)، فتنهار حياة إيستر، وتجد أن كل شيء يحيط بها زائف، كل شيء في إسرائيل معرض للخلل والإنهيار، ومن خلال رؤية إدوارد سعيد، نصل إلى سردية فلسطينية عن القدس غير السردية الكولونيالية، سردية تناقض السردية الأولى وتهدمها. كل شيء قديم يتراءى خلف الشيء الجديد ويقضي عليه. المدينة مثل الطرس: كتابات تنكتب فوق كتابات، صور ترتسم فوق صور وكل كتابة تبدأ بالإمحاء. ترتسم على هذا الطرس كتابة أخرى لإدوار سعيد: حياته، مسيرته، الأشعار التي كان يحفظها وهو طفل، بيانات، موت، أحقاد، خرائط عتيقة، وهنالك الروايات الإسرائيلية المكتوبة عن القدس: روايات عاموس عوز، ديفيد غروسمان، ديفيد شاحور، إبراهيم بن يهوشوع، زوريا شيليف...أشعار وقصائد لمناحيم بياليك ويهودا عميخاي وغيرهما... من خلال هذا الكم الهائل من الوثائق، نصل إلى تكذيب الرواية الرسمية الإسرائيلية، ليبدأ سرد آخر مختلف: سرد اللاجئين والمطرودين والمنفيين، سرد المغيبين والمهمشين، ومن خلال الرواية المدحورة تتقهقر الرواية المنتصرة، وتظهر المدينة من تحت الطرس بكتاباتها الممحوة وذكرياتها المتروكة والمهملة، وإدوارد سعيد يواصل سيره وتوقفاته، ينظر إليها فترمم المدينة القديمة في عينيه، وتتقشر بنيتها الخارجية التي صنعتها الرواية الكولونيالية، وتتهاوى.


  • الزوار (2,013)
  • القـٌـرّاء (5)
  • المراجعات (3)
ترتيب بواسطة :

يكتب علي بدر، في رواية مصابيح أورشليم، طروساً، فمواجهة البياض المحض صنو المستحيل، ولا مندوحة من التدوين على المدوّن كمعادل لبناء واقع على واقع، واستحالة بناء واقع علىفراغ. تتغشى الطرس المدوّن أصلاً مخايل طرس آخر، نابع من وتابع إلى واقع آخر، وهناك يحتدم صراع بين الطروس، التدوينات، الكتابات، كمعادل لاحتدام العنف في الواقع، عنف الكتابة على الكتابة يعادل عنف إقامة مدينة على أنقاض مدينة، جامع على كنيسة، أو كنيس على جامع. كلاهما إدوارد سعيد وجيرار جينيت يتعاونان على وضع خطة للرواية. لكن ما يزيده علي بدر على فكرة الطرس لدى جيرار جينيت وتكذيب السردية لإدوارد سعيد هو أمله في أن الشروع في عملية تبهيت الأصل النصّي يفترض عزماً على تبهيت الواقع المرفق به رجاءَ تسطيعِ أصلٍ آخرَ وواقع آخر. لكن الأصليْن يتداخلان، ولا تكون الثمرةُ المرجوّة من التداخل هي الثمرةَ التي أريد اجتناؤها: أي ما يسمّيه الروائي هدم سردية قديمة وإقامة سردية أخرى أو إحياء واحدة بهُتت أو ماتت، وهل من سبيل إلى ذلك؟ جلّ ما يفعله علي بدر، باعتقادي، هو محاولة استنساخ نسخة من السردية وبثّ الاضطراب فيها، في النسخة السردية، وليس الأصل الذي أفضى إلى واقع عاتٍ وثابت ولا إمكانية بادية لتهديمه. تُفتتَح الرواية بتقرير بدا منبتَّ الصلة بالرواية. والإمكانية الضيّقة لإدراجه في لُحمة الرواية، كما بدا لي، تتأتى إذا عددناه خاتمة حتمية لمقدمات الرواية التي ستُكتب ل%Do?حقاً، إنها الختام المفترض للأزمات التي تتوطن في عالمنا العربي، وهي بسط للمآل والمنتهى. وما المنتهى سوى هذا الانشقاق والخلاف المستحكميْن بين المثقفين العراقيين في الموقف من الإطاحة بنظام صدام حسين ودخول القوات الأميركية العراق. من جهة أخرى، يمكن التنويه بالخلاف ـ الذي شاع بين المفكر إدوارد سعيد، الفلسطيني (الذي يمثل شخصية الرواية الأساسية هنا) والمفكر كنعان مكية، العراقي الذي يدعو إلى محاربة الدكتاتوريات العربية بالعنف وتغييرها بالقوة ـ حول قضية تدخّل الولايات المتحدة الأميركية العسكري لتغيير نظام صدام حسين الدكتاتوري، ومن ثمّ قضية نشر الديمقراطية بالقوة في الشرق الأوسط الذي لم تستطع أنظمته حتى تلطيف شموليتها ودكتاتورياتها بأيّ نمط من أنماط التعددية. لقد وقف إدوارد سعيد وقفة لا رويّة فيها ضدّ التغيير الأميركي العسكري للنظام القمعي بالعراق، ومهما تكن مسوغات موقفه، فقد نظر شطر من العراقيين إليه كاصطفاف مع الدكتاتورية، وهنا وضع نفسه في موقف شبيه بالموقف الذي سمّاه هو نفسه "الانتحاري" في مذكراته. فهو وصف في مذكراته اصطفاف القيادة الفلسطينية إلى جانب صدام حسين في غزوه للكويت بـ"الموقف الانتحاري"(1)1. وبأيّ حال، يبدو المآل ضاغطاً وبادياً، حتى أنه لا مدعاةَ كبيرةً لإلحاق ذلك الجزء قسراً برواية عبر ستّ وستين صفحة بالضبط. هذه الصفحات، كما أحسب، ليست عضواً أصيلاً في جسم الرواية، فضلاً عن أن انشقاق الأنتلجنسيا يجب أن ينطلق، في الأصل، بين العراقيين، ولاحقاً بين العرب والعراقيين، غير أن الرواية تصرّ على تصويره بدءاً بين "أيمن مقدسي"، الفلسطيني الأصل والعراقي المولد، و"علاء خليل" العراقي أصلاًَ ومولداً. قد يكون "التقرير" ألصقَ برواية عن بغداد، لا عن القدس، يكون تمهيداً مهمّاً لها، في الأقل سيعبّر عن انشقاقاتها الأخرى، طائفيةً كانت أو حزبية. فهو لم يتمكّن من التعبير عن ذلك في القدس التي تعيش حالة أخرى مختلفة تماماً. لقد نوّهت عابراً في كتابي أنسنة الشعر (2)1 بعلي بدر وتبنّيه محاولة هدم السرديات عبر كتابة الرواية. إذ سعى في روايته الأولى بابا سارتر إلى تمحيص سردية الستينيات العربية، ونقدها، وتفكيك مزاعمها. إن الفكرة المركزية هي أن المحو المحض مجرد وهم. فالإصرار على فكرة محاربة السرد بالسرد لإزالته وتصفيته وإبادته، وإحلال الآخر مكانه، إنما هو إصرار عبثي. إذ لا وجود لسردية محضة. لقد سرّب علي بدر مفاتيح روايته قبل نشرها، كان ذلك في حوار، في عمّان في 2/10/2005، فقد لخّص الأطروحات الأساسية لروايته: فكرة "نقل الملكية"، وفكرة "اختراع التاريخ بالسرد" خدمة لمصالح معينة، وفكرة "الهجنة والمنفى"؛ وكلها أطروحات كبرى تنتظم فكر إدوارد سعيد؛ الشخصية المحورية في الرواية. ومن عادة علي بدر أن يسرّب الأصول الفكرية لرواياته، وأعتقد أن ما يشيع من تعبيرات تتناول رواياته بالنقد أو حتى بالعروض الصحفية إنما تستهدي بتسريباته عبر الحوارات بما فيها تعبير "تهديم السردية". بل هو يحاول أن يوحي بمكانة لعمله بربطه بأعمال أخرى مشهورة، فهو يضاهي مثلاً روايته بيوليسيس (ص14)، مصابيح أورشليم يوليسيس، وأورشليم دبلن. يسعى علي بدر، متأثراً بأفكار إدوارد سعيد، إلى أن يحوّل أفكار الأخير إلى سرد روائي. يربط أفكاره بالقدس ليتمكن من معالجة مسألة "نقل الملكية" روائياً. فالقدس مدينة نُقلت ملكيتها مراراً، فصارت مصابة بإشكال نقل الملكية، إشكال التغيير: "أورشليم هي المدينة الضائعة... هي الحلم... والكلّ يبحث عنها... هي اليوتوبيا..." (ص14)، البحث عن القدس بحث عن بغداد أيضاً بالنسبة للمنفيين العراقيين، هي البحث عن اللاشيء أيضاً، عن الذي لم يعد استرداده ممكناً، فالمنفيون لا يستردون مدنَهم حتى لو استردوها فعلاً؛ لأنها تتغير. إن البحث عن أورشليم، عن مدينة، عن المدينة، كما تقول الرواية، هو بحث عن "الفقدان الأبدي" و"الخسران المطلق" وعن "الزوال المستمر" (ص16). تبدأ الرواية لديّ في الصفحة السابعة والسبعين: "إلتفت إدوارد سعيد إلى يائيل وهو يقرأ الخريطة...". الرواية عن إدوارد سعيد، وتبدأ باسمه. وصلة الأخير بالقدس مدينةً وقضيةً هي المحور الأساسي للرواية. تتحول القدس، في رواية مصابيح أورشليم، إلى "طرس" مثلما يرغب الروائي نفسه. تُكتب وتُمحى، تنكتب وتنمحي، في تبادل للأدوار، وتداول بين شعوب مختلفة، قادمين من قارات مختلفة: أوربا بمواجهة آسيا، الغرب بمواجهة الشرق، بناء جديد وأنقاض، إدوارد سعيد وثيودور هرتزل (أو يصير إدوارد سعيد "اليهودي التائه"، بينما يستقر عاموس عوز ليكتب رواياته. إنه تبادل الأدوار)، كلهم يكتبون المدينة ويمحونها، كلهم مارسوا الكتابة والمحو على وفق ما تخيّلوه من سُنّةٍ للتاريخ ومنطق أو "مسيرة" إن شئتم. هنا تحاول الرواية أن يكون لها دور في هذه الكتابة وذاك المحو. تحاول أن تفعل شيئاً من منطلق الدخول في الصراع، وليس من منطلق الوصف. إذن، أرى أن النيّة معقودة على الهدم والبناء، ولكنه هدم لأيّ شيء، وبناء لأيّ شيء؟ تلك ستراتيجية يراد لها أن تكون تمهيداً لكتابة واقع جديد انطلاقاً من محاربة واقع قائم، غير أن الواقع القائم لم يعد قائماً سردياً، وهنا تقع الرواية في هوّة لا قرار لها، فهي تعبر هذه الفجوة بالوهم. فمحاربة النسخة التي يعدّلها الروائي على وفق أغراضه لا تعني إمكانية تهشيم الأصل، وليس بإمكان "سحر" الرواية أن يعبر هذه الفجوة ليمتدّ تأثيرها إلى الأصل الثابت واقعاً وسرداً. إنها كتابة مستحيلة مهما تغلّفت بأوهام الموضوعية في "إدارة"، كتابة، صراع. تستوطن الروايةَ فرضيةٌ عصية. فرضية ترى إلى مبتدأ الدولة فكرة، ولذا يمكن تهديمها بفكرة. وهي، في الواقع وبعبارة أدقّ، تبدأ بأيديولوجيا، بمنظومة من الأفكار مدعومة بقوة وسلطة كبيرتين، وبمال وفير، ورجال أشدّاء. وبنقص أيٍّ من تلك العوامل لا تقوم الدولة. فأين منها فكرة في رواية؟ من هنا نقول إن الرواية تنسخ (بكلا معنييْ النسخ: التزوّد بصورة طبق الأصل، والإلغاء والإبطال) واقعاً وسرداً، وتخلطهما، فتضيع الحدود وتتداخل، وتبهت، وعلى هذه الحدود الضائعة، والمتداخلة، والباهتة، أي على النسخة يتمّ تشييد فكرة أخرى يراد لها أن تدمّر السابقة عليها بمحض تشييدها، بلا قوة داعمة. وهنا مكمن المعضلة التي لا حلّ لها. إن مآل التاريخ الآن غيره سابقاً. ومنطق السيرورة مختلف عمّا كان عليه سابقاً. ومع التغيرات العميقة في منطق التغيير والتداول والتبادل، صار من الممكن طرح سؤال فلسطين بطريقة جديدة، لاسيما في عالم تُطبق عليه ثقافة التسوية والتطبيع والتعايش، عالم ماض على وفق خطة التعدد الثقافي، وثقافة حلّ النزاعات سلمياً. من هذه الزاوية، تبدو الرواية، في جانب منها، مسكونة بحنين إلى منطق "المقاومة" و"الكفاح". ويبدو سعيُ علي بدر سعياً يائساً للهدم كما يرى، فهو يقع في هوّات الخلط بين هدم السردية وهدم الواقع، كلّ ذلك يدار بسردية تبقى حبيسة الخيال. سردية الواقع الماحقة تتخلّف إلى الوراء حين يتمّ الالتجاء إلى الرمال الأثيرة، الرجراجة، الخدّاعة، وحين يُؤثَر البدء بالحديث من أعماق العزلة، ومن خفق الريح بين الأذنين، ومن هواجس "التربية الوطنية" القديمة والعمياء. ذلك جليّ في تماهي الرؤية، في مواطن عديدة، مع خطاب الإعلام بكلا طرفيْه المتصارعين: "النصر للحجر لا الأسلحة الفتاكة" (ص142)، وصورة الفلسطيني كـ"مخلوق غريب..." (149)، وصورة الإسرائيلي الذي يراجع نفسه ليكتشف أن إسرائيل غيتو كبير (ص120)، والقدس نفسها التي كانت أورشليم لكن "أخذها المسلمون وسمّوها القدس" (134)، "موسى وشعب إسرائيل يهاجرون من مصر ويدخلون فلسطين... إدوارد وآنطي ميليا يخرجان من فلسطين ويدخلان مصر..." (ص98). "إدوارد هو عوليس... أورشليم هي دبلن..." (244). "اليهودي يعيش في غيتو... الغيتو في نفسه... ولذلك بنى الجدار العازل، إنه يريد أن يعيش في غيتو أبديّ... لا يريد الآخرين مطلقاً... إنه يكره كلّ شيء..." (ص246). يهاجر اليهود ويخرج إدوارد، والمهاجر إلى بلد غير الخارج منه، فالأول، في سياق كهذا، ينتزع الملكية والأحقية والتاريخ من الثاني، وأخيراً اليأس المبطّن بالتفلسف عبر الحكي عن طريق لا توصل إلى شيء، هي الطريق إلى فلسطين، بالأحرى الطريق إلى فلسطين لا توصل إليها، فأنت حين تصل إليها لا ينتابك الشعور بأنك فيها، ولكن لماذا لا تشعر بأنك فيها، ببساطة لأنك فيها ولستَ فيها؛ لأن فلسطين في إسرائيل (ينظر، ص97). أما أورشليم، أما القدس، فلم تكن يوماً لأحد (ينظر، ص227)، ومن هنا ربما يكون مردّ عنوان الرواية مصابيح أورشليم، فاختيار الاسم الفينيقي قد تكون له دلالة أن هذه المدينة ليست لأحد، إذ لا وجود للفينيقيين الآن، ولا نسبَ مؤكداً لكلّ مدعٍّ بالأصل الفينيقي، فهم بلا وريث محدد، والمدينة لا وريث لها ولا مالكَ أصليّاً. والرواية  تصرّح بهذا الاختيار لاسم المدينة (ينظر، ص262)، وتتبنى الاسم الفينيقي القديم بدلاً من الأسماء الأخرى: يبوس، وإيليا كابتولينا، وبيت المقدس، والقدس. إنه محض تبادل للأدوار قسراً. هو الارتحال، قسراً أيضاً، في جهات مختلفة، متعاكسة، تبادل للتيه، يصبح التيه تيه الفلسطينيين، وليس تيه بني إسرائيل، يتحول إدوارد سعيد في الرواية إلى اليهودي التائه، فيما يجد عاموس عوز استقراره ليقطن الأرض ويكتب الروايات (ينظر، ص99). "موسى وشعب إسرائيل يهاجرون من مصر ويدخلون فلسطين... إدوارد وآنطي ميليا يخرجان من فلسطين ويدخلان مصر..." (ص،98). إنه التبادل القسري، لأن قدر أورشليم ليس فقط ألاّ تكون يوماً لأحد، بل أن تكون مفتوحة أبداً، مغزوّة أبداً، منذ اليونان، والرومان، والفرس، والعرب، إنها مدينة لا تعود أبداً، فلا أحد يمكنه العودة إليها، حتى إذا تمكّن من العودة إليها. إن فنّ استدراج شخصيات السرد الإسرائيلي الحديث (يائير وإيستر مثلاً)، وتفكيك بناها السردية، وتكييفها طبقاً لغرض جديد، وإعادة تركيبها، سيخلق سرداً جديداً، وهو سرد سيعكس بتركيبه الجديد الوجهَ الآخر للأزمة، أو لنقل بشكل مباشر، الوجه الفلسطيني المعذّب، وسيبيّن ضمناً الوجه الإسرائيليّ الملوّث بجرائم بشعة. هذا الفنّ ينتج أروع بناء للسرد؛ هو ذلك البناء المتداخل الذي تمتزج فيه الشخصيات والأزمنة والأمكنة. تختلط فيه القدس بالقاهرة، وكلتاهما بالتاريخ القديم، دمج إدوارد سعيد وهو صبي في القاهرة يعزف البيانو قبالة فتاة الشبق بكارثة 1948، وبالهرب الكبير من القدس أمام العصابات الصهيونية، وبالتاريخ التوراتي الذي ينفخ في اليهود روح العداء المستحكم ضد الأغيار "كلّ شخص ليس منكم هو من أعدائكم" (ص109)، بقصيدة اللورد تنيسون "مجدوا هجومهم... الجنود الستمائة" التي تتكرر كثيراً في الرواية (ينظر، ص186-187، 200، 225، 246-247 مثلاً). لكن من المهم هنا أن ندقق في واقع البناء والتقويض المفترضيْن في الرواية. في الحقيقة، لا يقوّض البناءُ الجديدُ البناءَ الأسبق. قد تصحّ هذه الفرضية حين قوّضت إسرائيل فلسطين واقعاً ونصّاً سردياً أو، في الواقع، نصوصاً سردية. لأنها كانت من العنف والشراسة والعزم بما يكفي لنسف سردية العرب وواقعهم كليهما. وقد أعطت مؤشرات ووقائع على هذا الأمر في العام 1948 والعام 1967 ممهّدةً له بسرود ممتدة على طول تاريخهم. لكن محاولة تقويضية روائية هي محاولة محكومة بالنقص، محكومة بأن تكون مبتورة، بلا أذرع ولا أرجل، إنها محاولة "فم مرّ"، يلجأ إلى السحر التعزيمي متوهّماً غرز المعزِّم الإبرَ في الدمية تفضي إلى إيذاء المعزَّم ضدّه. البنية التي جرى تفكيكها بنية مستنسخة، ولذا أمكن تفكيكها، أما الأصل فثابت قويّ، وما تقويض النسخة كتقويض الأصل، ولا يضير الأصل أن نسخةً منه قُوِّضتْ، وتلوعب بها، مادام الأصل محفوظاً. إذا عددنا إسرائيل سردية محضة فستكون مجرد وهم، فهناك فلسطين منقوشة على صخرة إسرائيل الصمّاء؛ فلسطين بوصفها سردية تكافح لتجد في الطرس مكاناً أسوةً بإسرائيل. رواية مصابيح أورشليم تنظر إلى الواقع بوصفه سردية، ثم تشرع بتفكيك هذه السردية مركوبةً بوهم تفكيك الواقع. وهنا مكمن سرّ عبثيتها، ولاجدواها، وفشلها في ملء الفجوة التي يخلّفها الواقع. وما من شيء مؤكد، وواقعي، أكثر من السؤال الذي تقيمه الرواية، على نحو خاطف: أين خارطة فلسطين؟ وما من جواب شافٍ بأكثر من جواب الرواية نفسه: "في إسرائيل طبعاً" (ص154). وإذا سلّمنا جدلاً بتحقق تبهيت النسخة الإسرائيلية من جدل السرد والواقع، فإن النتيجة ليس تسطيع الممحوّ والمغيّب، ولا إمكانية لإعادة المندرس في الطرس إعادة تامة، إذ ستدخل عليه خطوط النسخة الباهتة، ومن ثمّ لا يكون هناك انطماس وإظهار، بل صياغة شيء جديد من كلا عمليتيْ الطمس والإظهار. يبثّ علي بدر نفسُه دواعي كتابة الرواية، رواية مصابيح أورشليم، ويقيم تكذيباً سردياً للسردية كحرب لا هوادة فيها ضدّ دولة إسرائيل، كان العنوان العريض للحوار الذي أشرت إليه سابقاً هو: "أسعى لتدمير الأسطورة الإسرائيلية بأخرى مقابلة". في النسخة الإسرائيلية التي تحاربها الرواية، يتمّ تكييف أدوات لاستعمالها في بناء هيكل فخم لفكرة مستحيلة. إنه يعبر فجوات لا يراها في النسخة رأي العين، ثمّ يقول عنها إنها مجرد فسحات للهواء لن تؤدي إلى هاوية. ومن ثمّ يبني جسوراً معلقة في الهواء بلا دعائم سوى الخيال المحلّق. إنه أخيراً يقفز من أوراق روايته إلى الأرض متوهّما إمكانية تماثل مهارة استخدام القلم واستخدام السيف. السرد يواجه السرد، وما دامت إسرائيل كانت قد تأسست انطلاقاً من "أسطورة أدبية... من فكرة رومانتيكية... نشأت من رواية... وبالتالي يجب إعادة كتابتها عن طريق الأدب أيضاً... يجب تكذيبها عن طريق الرواية... الرواية التي هي أفضل حرب... طالما كلّ الحروب خسرت وفشلت لماذا لا نجرّب الرواية... إدوارد سعيد كان أخطر حرب على إسرائيل، أخطر من كلّ الحروب الفاشلة التي خضناها... كان يعتقد أن أفضل ما يفعله هو إعادة سرد الأساطير لتكذيبها... لتدميرها... لكشف خداعها... لكشف زيفها" (ص13)، فلسوف يكون بالإمكان مواجهة الدولة بالسرد. غير أن هذا الداعي يحمل في تضاعيفه فجوة مؤكدة، تلك هي القفزة من مواجهة السردية إلى مواجهة الدولة الواقعية. فالدولة لم تعد سردية، هي قائمة هناك، على الأرض، جبّارة، وعاتية، ولديها القدرة على تدمير كلّ سردية مضادة بكونها واقعاً ملموساً. إن ضرب الأسس سواء أكانت أيديولوجية أو أسطورية أو دينية، لم يعد يفتّ في عضد الأشياء العينية الواقعية. ومع ذلك، يعاود علي بدر بثّ دواعي كتابة رواية مصابيح أورشليم ليذكر دائماً بمنهجه في الكتابة الروائية منذ بابا سارتر ومحاربة سردية الستينيات العربية. فعلي بدر ـ ابن حقبتنا الثمانينية بالعراق، وربيب ولعنا المبكر بالمناهج الحديثة بنيويةً وتفكيكيةً وأسلوبيةً ولسانيةً وغير ذلك، والدارس لظواهر ثقافتنا العربية (حتى أن بعض ملامح شخصية علاء سعيد تعكس شخصية علي بدر وجيلنا كلّه؛ جيل الثمانينيات المأخوذ بالصرعات الحديثة، بالنثر والشعر المكتنف بالأسرار الزائفة لقصيدة النثر ـ أقول علي بدر لا يسعُه أن يكتب من دون غاية جليّة هي أقرب إلى غايات البحث منها إلى الدلالة الكبرى التي تجلّيها أيّ رواية معتبرة. ولديّ إحساس يكبر مع الأيام، ومع قراءة كتابات علي بدر، مؤداه أن ثمة ملامحَ مهمة من رواياته تشي بكونها بحوثاً نقدية ضلّت طريقها الأكاديمي، واستُلّت منها شبكة المنهجيات، ولُطِّفت بوقائع الحياة بدلاً من الوقائع النقدية، والشخصيات الروائية بدلاً من الشخصيات النقدية والفكرية والشعرية. إنه نمط من الصراع المحتدم النادر الذي قاساه علي بدر برأيي حين رغب في تطويع الباحث فيه إلى الروائي. أليس مفتتح رواية مصابيح أورشليم بحثاً خالصاً؟ أنظر إلى الصفحات 16، 17، 39. أليس هناك تنويه بمعجم (ينظر، ص12)، أليس هناك حقاً (تخطيطات وأفكار ويوميات إنسكلوبيدية للكتابة) ملحقة بالرواية؟ إنه هاجس البحث الذي يطوّعه علي بدر إلى رواية، والعكس غير صحيح. تقاوم رواية مصابيح أورشليم الشرط التاريخي مقاومة عبثية. غير أن هذه المقاومة العبثية هي ما يبقى منها حيّاً ومثيراً: صراع الكلمات ذو الزخم الهائل متولد من زخم الواقع العنيف وقسوته. ثمة إثارة أخرى أيضاً تقع في ذاك التقفي المثابر لإدوارد سعيد عبر خلق مناخ جديد لقسط من حياته، وجعله على مقربة من شخصيات إسرائيلية روائية. شيء واحد أضرّ بهذه الستراتيجية الجديدة هو أن السرد الذي قاومته مصابيح أورشليم هو سرد لا يتمتع بسطوة عالمية مثل ذاك الذي قاومه إدوارد سعيد نفسه في كتبه. فهذا الأخير كان يرى أن سيرورة التاريخ عبر صراع النصوص لا تتمّ إلاّ بمواجهة نصوص عبقرية وعاتية في تأثيرها؛ لأنه يرى أن النصّ الهائل التأثير هو الذي يستدعي ويتطلب المواجهة، وهو الذي يحفّز على اختراقه(3) لكن علي بدر لا يتاح له هذا الظرف. وفضلاً عن ذلك، فالنصوص الذي وظّفها في عمله نصوص مجهولة بين العرب، وتلك حصيلة الجهل الذي ما زلنا نعاني منه، وتلك "مأثرة" الحكومات القومية التي رأت أن ترجمة النصوص العدوّة جريمة، فبات القارئ العربي جاهلاً جهلاً مريعاً بكتابة مَنْ يُذيقونه الهوان يومياً. لديّ إحساس بأن الرواية تريد لنفسها أن تكون سلوى وسلواناً، تضخّ في المزاج العربي العكِر والغاضب والكئيب والمتكدر أملاً ووعداً بكلّ ما فشل العرب في تحقيقه، وفي ثناياها تستيقظ الرغائب اليائسة لتراود ذلك المزاج حتى ليكون: "الرصاص تحوّل إلى حلوى، الدم الذي يلفّ خاصرة القتيل تحول إلى ماء. البكاء تحوّل إلى ضحك. مدينة توقفت كلها عن الحركة إزاء طيور تحلق على السطوح... اللاجئون يعودون إلى أرضهم، إلى الشجرة المسقية، إلى الزيتون والبرتقال، اللاجئون يعودون إلى مراكب الصيد في البحر، إلى البيوت المنحوتة في الأرض، ورجال داوود يرمون الأسلحة ويستقبلون الساكنين القدماء ويصبحون هم الضيوف...." (مصابيح أورشليم، ص218). ختاماً، بودّي أن أخلُص إلى شيء يتعلق بخُلاصة الرواية، وهي ما طرحه أيمن مقدسي، وذكره الراوي حين كان يسرد ظروف تبنّيه كتابة هذه الرواية. فما طرحه الفلسطيني المولود ببغداد هو، من وجهة نظري، الخلاصة الحقيقية للأفكار التي تعالجها الرواية، وهي خلاصة لا تمنح فكرة الطرس المكان المجلّى، بل تمنح ذلك المكان لفكرة "توهّم حقيقة"، أو "إمكان وجود"، أو احتمال ممكن" (ص13). فالراوي يصرح بعدم وجود "مواقف ثابتة، أو أشياء جاهزة، أو رؤى حقيقية" (ص13). لكن في هذا تعارضاً مع فكرة حروب السرد، وإلغاء السردية بالسردية، ذلك أن "توهّم حقيقة" قد يفضي إلى صنعها وتثبيتها، ليزول عنها لاحقاً معنى "توهمّ" وتظلّ "الحقيقة" حسب. وهنا مكمن معضلة الرواية، فهي تتخطى هذه الهُوّة بين السرد والواقع، وتسبح في فضاء السرود المتنوعة والمتصارعة لاغيةً العينيّ، وماضيةً إلى "أصل النشأة"؛ "لأن إسرائيل نشأت من أسطور أدبية... من فكرة رومانتيكية... نشأت من رواية... وبالتالي يجب إعادة كتابتها عن طريق الأدب أيضاً... يجب تكذيبها عن طريق الرواية... الرواية هي أفضل حرب... طالما كلّ الحروب قد خرست وفشلت لماذا لا نجرّب الرواية... إدوارد سعيد كان أخطر على إسرائيل، أخطر من كلّ الحروب الفاشلة التي خضناها... كان يعتقد أن أفضل ما يفعله هو إعادة سرد الأساطير لتكذيبها... لتدميرها... لكشف خداعها... لكشف زيفها..." (مصابيح أورشليم، ص218). أعتقد أن رواية علي بدر تستكمل مشهد الهزيمة في الحروب الفعلية، ولكن على مستوى حروب السرد. إنها هزيمة سردية في كونها مهرباً، واستعراضاً للمتناقضات (نكبة فلسطين مقابل تأسيس إسرائيل، تيه الفلسطينيين مقابل توطين اليهود، إلخ)، والمهرب غرض من أغراض ما تفترضه الرواية كاتباً أصلياً لها: أيمن مقدسي الفلسطيني. فهذا التائه الجديد كان قد طرده التائه القديم من أرضه، فصارت أرضُه "سليبة"، واستوطنه الألم، فاخترع علاجاً لدائه من الكلمات التي صارت لديه عالماً، والأحداثُ في الكلمات حياةً، والأسماءُ كينونةً وواقعاً (ينظر، ص17). إن حرب السرود في الرواية تخترع الزمن الماضي لتعود إلى الأصل، إلى النشأة الأولى، وتحارب من موقع متأخر زمانياً، تحارب سرداً تخلّلَ مفاصل الحاضر ورسم معالمَه، وفجّر تناقضاته، وهزّ أسسه.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

مصابيح أورشليم.. التورط في سرد ملتبس   ستؤمن منذ الوهلة الأولى بأنك أمام عمل روائي عربي مختلف, برؤية مغايرة وهم مغاير, حكاية أخرى أجاد الكاتب والروائي العراقي علي بدر نسجها وتسطيرها في طرس يطرق أكثر من معنى ويهيم في أبعاد شتى. بدء الرحلة, تقرير أولي عن حكاية هذا العمل, وللعمل حكاية أجاد علي بدر كتابة حروفها, تحليل أبعادها, والخوض في إرهاصاتها وما وراءها. أيمن مقدسي الفلسطيني الأصل, ولد في بغداد عام 1964م, هو صاحب مشروع " مصابيح أورشليم" التي أراد من خلالها حياكة رواية تجوس زوايا أورشليم من خلال المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد, لتصحيح الأساطير التي كتبت روائياً من قبل عن هذه المدينة. علاء خليل, رحلة أخرى في تقلبات الفكر والحلم, شاهد على الرواية من زاوية أخرى, حلم بإرهاصات الحرية في بلده "العراق" ومن ثم عاش السقوط والانهيار, مناورة أجاد علي بدر خوضها بالمزج بين الحكايتين, " أيمن مقدسي" المنفي عن الوطن و " علاء خليل" المنفي في الوطن, أما زينب نصري, الرفيقة الرابعة, فكانت شيئاً من هذا الركض, لعلها حرضت على الكثير مما كتب وكانت وجه الأنثى في كل هذا. علي بدر في تقريره الأولي حلل التحولات الفكرية لمثقفي الثمانينيات في العراق, حلل مؤثرات الأحداث التالية وأثرها على المشهد الثقافي العراقي في سيرة عبر عنها في 73 صفحة من صفحات الرواية, جاءت كمقدمة وسر لحكاية هذا العمل. الرواية التي جاءت مخطوطة ومصورة وموثقة من كاتبها أيمن مقدسي, تلت التقرير الأولي, رواية تقابل مئات الروايات الإسرائيلية التي كتبت عن أورشليم, روايات كتبها أدباء إسرائيليون كعاموس عوز, ديفيد غروسمان, إبراهيم بن يوشوا, ديفيد شاحور. جاءت الرواية مواكبة لرحلة افتراضية يقوم بها إدوارد سعيد إلى أورشليم, يرافقه بها "يائيل" و "إيستر" وهما من أبطال روايات إسرائيلية. جاء السرد ملتبسا ومفككا, هلامية الحدث, اللغة الشعرية المفرطة, واعتماد الوصف خلق هذا التفكك, سرد فوضوي لكل شيء, خوض في التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا, من أورشليم الفارسية لقرون قبل الميلاد وحتى أورشليم السليبة التي يعري زيفها إدوارد سعيد, تتهجى الرواية ملامح أورشليم, أورشليم النبوة, وتلك المدينة التي لا تكاد تعرف نفسها, تلك المغيبة والمنفصمة, التائهة بين اليهود والعرب. تلت الرواية التخطيطات والأفكار اليومية " انسكلوبيدية للكتابة" التي اختار بعضها علي بدر وألحقها بنص العمل, والتي حوت أشياء عدة, من المخططات السياحية للمدينة وأسماء الشوارع والفنادق والمحال والمطاعم ..إلخ, إلى أسماء الروايات التي قرأها الكاتب, وحتى الحوارات واللقاءات حول إدوارد سعيد. "مصابيح أورشليم" رواية أراد لها "أيمن مقدسي" كما كتب علي بدر (( زحزحة الرواية التاريخية – الإسرائيلية- أو تدميرها, لأنها اختراع فهو – أيمن مقدسي- يقوم بتهديمها عبر اختراع مقابل)). علي بدر روائي وكاتب عراقي تعد روايته " بابا سارتر" أبرز ما كتب, والتي حازت جائزة الدولة للآداب في بغداد وجائزة أبو القاسم الشابي في تونس, كما أصدر مجموعة أعمال أبرزها " شتاء العائلة" و " صخب ونساء وكاتب مغمور" و " الوليمة العارية". "مصابيح أورشليم" صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر, الطبعة الأولى عام 2006م, والتي تقع في 336صفحة من القطاع المتوسط.

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0

يتناول الروائي العراقي علي بدر في روايته "مصابيح أورشليم" الصادرة اخيرا عن المؤسسة العربية للدرسات والنشر موضوعا حساسا جدا يحاول فيه تكذيب السردية الاسرائيلية من خلال سردية مقابلة.   وتعتمد سردية بدرعلى الوثائق وعملية استخدامها بحيث تصبح اللحظة التاريخية متنازعة من قبل عمليتين متناقضتين, كل عملية تجذب الاحداث نحوها وتحاول احتكار المعنى وتقييده بمصالحها, وبهذا تصبح النزاعات قائمة على مفهوم التخييل بحيث تظهر كل مجموعة بشرية وهي تتمسك بالارض, وتحاول ان تتخيل تاريخها وتحاول ان تنشأ اساطيرها ومثيولوجياتها على هذه الارض, ومن ثم تحاول ان تكمم الخصم وتخرسه وتسكته من خلال خطاب القوة. ويرى بدر ان روايته هذه "تعتمد الاتجاه المعاكس اي قلب خطاب القوة الى قوة الخطاب". ويشير الى ان  الرواية تحاول "ان تستثمر جميع الحجج والاساليب المتنوعة من اجل ابراز خطاب مناقض للخطاب الاول, ابراز خطاب لا علاقة له بخطاب الجماعات القوية او الجماعات التي تعتمد على خطاب القوة, من اجل تدمير خطابهم وتكذيبه".   ويزيد بدر"الصراع هنا هو صراع سرديات, كل جماعة لها سردها الخاص بها, لها حكاياتها, وافكارها, وبنيتها, ونظامها الخاص بها وكل جماعة تحاول من خلال هذا السرد الخاص تكذيب سرد الاخر". ويبين بدر ان هذه الرواية تأتي في مجال الرد على الروايات الاسرائيلية, روايات عاسوي عوز, ابراهيم بن شواع, روايات ديفيد عزوسمان "حيث انها تتكون من ثلاث حركات, جاءت مثل سمفوتيه, حركة سريعة, حركة خفيفة وحركة وسط. الحركة الاولى: بعنوان تقرير اولي, وهو تقرير يكشف جانبا مهما من اثر ادوارد سعيد على اجيال من المثقفين لافتا الى ان افكار ادوارد سعيد وكتبه قد اثرت عليّه شخصيا, والى حد ما على صياغته كما اثرت على الكثير من ابناء جيله. ويقول بدر "كانت افكاره القوية بتنويرها وتوهجها, وهي تدفع الخطاب التدجيني الغربي, وتهدم اسس الخطاب الاستسلامي العربي هي التي دفعتنا الى تبنيها, لقد اثر ادوارد سعيد وفي لحظة حاسمة من تاريخ العراق على جيل كامل من المثقفين, وهو جيل اكاديمي من جهة وثوري من جهة اخرى, وحين اشتبك ادوارد سعيد في جدال وسجال مع كنعان مكيه حول موضوع تحرير العراق انشقت النخبة المثقفة الشابة الى فئتين, الاولى مع ادوارد سعيد والثانية مع كنعان مكية, ومن هنا جاء جزء من الرواية ليرسم هاتين الشخصيتين: الاولى متغربنة ومؤمنة بالديمقراطية الغربية تأخذ جانب ادوارد سعيد وهو علاء خالد  والثانية : ايمن مقدسي فلسطيني يدرس في جامعة كولومبيا, وينشغل في الرد على علاء خليل".   ويضيف بدر "يرسم هذا الجزء مشاعر ايمن مقدسي بالنفي والغربة, والشعور بالتهميش ومحاولته كتابة رواية عن القدس يتخيل فيها زيارة ادوارد سعيد للمدينة في التسعينيات ثم يترك الرواية مع هوامشها ويختفي بعد الغزو الاميركي للعراق ثم يبدأ الراوي وهو صحافي صديق علاء خليل وايمن مقدسي بكتابة الرواية مستعيدا تجربة نفيه هو". ويشير بدر الى ان الحركة الثانية: هي الرواية بعنوان "انها اورشليم يا انطي ميليا" وتبدأ من خلال وصول ادوارد سعيد الى اورشليم, حيث يأخذه دليل سياحي اسمه "يائيل" في جولة في المدينة, غير ان الكولتيالية تقوم بتغيير معالم المدينة الحقيقية, وتصبح مدينة اسرائيلية, فيشعر ادوارد سعيد بالغربة, ولكن "يائيل" وصديقته "استر" وبالرغم من التغيير الاسرائيلي للمدينة يدهمهما شعور مماثل ايضا بالغربة .   ويرى بدر "ان الفكرة الاساسية في هذا الجزء هو ان اورشليم مكونة من مدينتن, واحدة حقيقية تشبه اي مدينة اخرى, والاخرى محلوم بها تريد ان تكون لجميع المثقفين والمغتربين والمهمشين". وحول فكرة الرواية يقول بدر "انها تقوم هنا على ان المدينة مجرد نص سردي, اي انها مأخوذة من سرديات ومأخوذات حكائية وقصص واحلام, اضافة الى  التناص, اي فكرة ان تكون اورشليم عبارة عن كتابات فوق كتابات, قبور فوق قبور, ذكريات فوق ذكريات, والكل يرى امتلاكها فهي كتابات رومانية واغريقية ويهودية وعربية وبريطانية وعثمانية, كتابة فوق كتابة ذكريات فوق ذكريات, شوارع فوق شوارع, اسماء فوق اسماء, طبقات من الركام, طبقة فوق طبقة, تقوم الرواية بإزاحة هذه الطبقات وتسويتها كما تقوم بكشفها والبحث عن الغائب منها".   وحول ابطال الرواية يقول بدر "هم شخصيات في روايات اسرائيلية ولكن تقوم هذه الرواية بقلب جميع احداثها ونقاطها وخطوط سيرها". ويلفت بدر الى الحركة الثالثة: تخطيطات وافكار ويوميات للكتابة.ويشير "يتضمن هذا الفصل ذكريات ايمن مقدسي والوثائق التي كان يحصل عليها من اجل كتابته لروايته, ويتضمن كذلك مجموعة من الوثائق النادرة عن فلسطين وكيفية تعامله معها". اضافة الى العديد من الاشارات والوقائع السياسية والاجتماعية والثقافية التي اعتمدتها اسرائيل من اجل تغيير الوقائع على الارض.   يذكر ان الروائي علي بدر قد صدر له مجموعة من الروايات منها "بابا سارتر" و"شتاء العائلة "و" الوليمة العارية" و"الطريق الى تل المطران" اضافة الى "خرائط منتصف الليل" و"ماسنيون في بغداد".

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0